كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 7)

"""""" صفحة رقم 44 """"""
وحد الرماني الاستعارة فقال : هي تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على سبيل النقل للإبانة .
وقال ابن المعتز : هي استعارة الكلمة من شئ قد عرف بها إلى شئ لم يعرف بها . وذكر الخفاجي كلام الرماني وقال : تفسير هذه الجملة أن قوله عز وجل : " واشتعل الرأس شيباً " استعارة لأن استعارة للنار ، ولم يوضع في أصل اللغة للشيب فلما نقل إليه بأن المعنى لما اكتسبه من التشبيه ، لأن الشيب لما كان يأخذ في الرأس شيئاً فشيئاً حتى يحيله إلى غير لونه الأول كان بمنزلة النار التي تسري في الخشب حتى تحيله إلى غير " حالته " المتقدمة ؛ فهذا هو نقل العبارة عن الحقيقة في الوضع للبيان . ولا بد من أن تكون أوضح من الحقيقة لأجل التشبيه العارض فيها لأن الحقيقة لو قامت مقامها لكانت أولى بها ، لأنها الأصل ، وليس يخفى على المتأمل أن قوله عز وجل : " واشتعل الرأس شيباً " أبلغ من كثر شيب الرأس ، وهو حقيقة هذا المعنى .
ولا بد للاستعارة من حقيقة هي أصلها ، وهي مستعار منه ، ومستعار ، ومستعار له ، فالنار مستعار منها ، والاشتعال مستعار ، والشيب مستعار له . قال : وأما قولنا مع طرح ذكر المشبه ، فاعلم أننا إذا طرحناه كقولنا : رأيت أسداً ، وأردنا الرجل الشجاع فهو استعارة بالإنفاق ، وإن ذكرنا معه الصيغة الدالة على المشابهة كقولنا : زيد كالأسد أو مثله أو شبهه فليس باستعارة ؛ وإن لم نذكر الصيغة وقلنا : زيد أسد فالمختار أنه ليس باستعارة إذ في اللفظ ما يدل على أنه ليس بأسد فلم تحصل المبالغة ، فإذا قلت : زيد الأسد فهو أبعد عن الاستعارة ، فإن الأول خرج بالتنكير عن أن يحسن فيه كاف التشبيه ، فإن قولك : زيد كأسد كلام نازل بخلاف الثاني .
قال ضياء الدين بن الأثير : وهذا التشبيه المضمر الأداة قد خلطه قوم بالاستعارة ولم يفرقوا بينهما ، وذلك خطأ محض .
قال : وسأوضح وجه الخطأ فيه وأحقق القول في الفرق بينهما فأقول : أما التشبيه المظهر الأداة فلا حاجة بنا إلى ذكره لأنه لا خلاف فيه ، ولكن نذكر التشبيه المضمر الأداة فنقول : إذا ذكر المنقول والمنقول إليه على أنه تشبيه مضمر الأداة قيل

الصفحة 44