كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 7)

"""""" صفحة رقم 47 """"""
فيها إلى المستعار ، ويراعى جانبه ، ويوليه ما يستدعيه ويضم إليه ما يقتضيه ، كقول كثير .
رمتني بسهم ريشه الهدب لم يصب . . . بظاهر جسمي وهو في القلب جارح
وكقول النابغة :
وصدرٍ أراح الليل عازب همه . . . تضاعف فيه الحزن من كل جانب
فالمستعار في كل واحد منهما وهو الرمي والإراحة منطور إليهما في لفظ السهم والعازب ، وكما أنشد صاحب الكشاف :
ينازعني ردائي عند عمرو . . . رويدك يا أخا عمرو بن بكر
لي الشطر الذي ملكت يميني . . . ودونك فاعتجر منه بشطر
أراد بردائه سيفه ، ثم نظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار ، وأما تجريدها فهو أن يكون المستعار له منظوراً إليه ، كقوله تعالى : " فأذاقها الله لباس الجوع والخوف " فإن الإذاقة لما وقعت عبارة عما يدرك من أثر الضرر والألم تشبيهاً له بما يدرك من الطعم المر البشع ، والباس عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قال : فأذاقها الله ما غشيها من ألم الجوع والخوف ، وكقول زهير :
لدي أسدٍ شاكي السلاح مقذف . . . له لبد أظفاره لم تقلم
فلو نظر إلى المستعار لقال : أسد دامي المخالب أو دامي البراثن ، ونظر زهير في آخر البيت إلى المستعار أيضاً ، ومنه قول كثير :
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً . . . غلقت لضحكته رقاب المال
استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء .
قال : ويقرب من ذلك الاستعارة بالكناية وهي أن لا يصرخ بذكر المستعار بل بذكر بعض لوازمه تنبيهاً به عليه ، كقولهم : شجاع يفترس أقرانه ، وعالم يغترف منه الناس .

الصفحة 47