كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 4)

حية بالشهوات، رطبة حارة، فحفظوا جوارحهم، ورضوا عنه قلباً، ولم يملكوا كراهة النفس، فهذا صبرٌ قد أذهبت النفس شؤمها، وخلفها جمال الصبر.
وأما صبر المقربين: فهو الرضا، لم تجد لوعة المصيبة في قلوبهم مساغاً؛ لما فيها من الحلاوة واللذاذة بقرب الله، وذلك أن النور لما اشتعل في صدورهم بعد أن امتلأ القلب منه، فأحرقت ذات الصدور من شهوات النفس، ومناها، وصار الصدر مستنيراً من نور القلب، فذاك عبد قد شرح الله صدره للإسلام، وهو التسليم، فهو على نور من ربه، فصارت الشهوة ميتة، فلم يبق في النفس عكر، ولا كزة، ولا مرارة، ولا عسرة، انتهت النفس عن نومتها، وخرجت عن سكرها، فأفاقت، فصارت مشيئة الله عندها أحلى من مشيئتها.
وهذا موجود في الطبائع، إذا أحببت عظيماً من عظماء الدنيا، ممن قد سبى قلبك حبه، وملكك وده، صارت لمشيئاته عندك من الحلاوة على قلبك ما يزيف مشيئتك، ويدرسها عن قلبك ذاك؛ لشغوفك به، فكيف يكون هذا عندك موجود [اً] فيما بينك وبين الآدمي؟.
ثم إذا صرت إلى عظيم العظماء، ومالك الملوك، وسيد السادات، نفيت عن هذا ذاك؛ لأن القلب قد خلا من عظمته، وعمي عليك سؤدده، وجهلت ملكه.
فالمقربون: بالقربة نالوا هذا، حتى ذهب الكره من نفوسهم، وصار

الصفحة 279