كتاب رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (اسم الجزء: 4)

قلنا: قد قال بعضُ أهلِ العلم: إنما ذلك؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أرادَ أن يكونَ ذلك حدًّا يُرْجَع إليه ليرتفعَ الخصام، ويزولَ النزاعُ (¬1) والتشاجُرُ، وقد كان -صلى اللَّه عليه وسلم- حريصًا على رفع التشاجُر عن أمتهِ، وهذا كما قضى في الجنين بالغُرَّة، ولم يفصل بين الذكر والأنثى (¬2)، مع اختلافهما في الدِّياتِ؛ لأن هذه المواضع لما كان يتعذر ضبطُها عندَ البيناتِ، كثر التنازعُ فيها، فرفعه (¬3) -صلى اللَّه عليه وسلم- بأن جعلَ القضاءَ في ذلك لواحد (¬4). انتهى.
فإن قلت: لم لا يكونُ جودةُ لبن الشَّاةِ- وإن قلَّ- مقابلًا لكثرةِ لبنِ الناقةِ، فيكونان كالمتساويين من حيث المعنى، ويكون هذا الجوابُ أسدَّ مما (¬5) حكاه الإمام؛ لكونه غيرَ خارج عن الأصل، ولا مفتقرٍ إلى التعليل بقطع النزاع؛ بخلاف الأول؟
قلت: لو لم يعارضْه اختلافُ الإبل نفسِها في كثرة الحلب وقِلَّته، لكان كما قلتَ، ولا يخلو عندي من نظر.
إذا ثبتَ هذا، فلتعلمْ: أن الحديثَ نصٌّ في رد الصاع مع الشاة، ويلزم منه عدمُ ردِّ اللبن؛ إذ لو أراد أن يردَّ اللبنَ بعينه عوضًا عن الصاعِ
¬__________
(¬1) في "ت": "التنازع"
(¬2) في "ت": "ذكر وأنثى".
(¬3) في "ت": "فدفعه".
(¬4) انظر: "المعلم" للمازري (2/ 249 - 250) و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 144 - 145).
(¬5) في "ت": "أشدهما".

الصفحة 228