كتاب نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار (اسم الجزء: 4)

حديث الغاشية، وإذا اجتمعا في يوم واحد يقرأ بهما". وقد روينا (¬1) عن سمرة بن جندب قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ في العيدين {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} (¬2) " وفي رواية أخرى (¬3): "في صلاة الجمعة" وفي هذا دلالة على أن {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} كان قد نزل قبل ذلك بزمان كثير، وروينا عن البراء بن عازب في الحديث الطويل (¬4) في هجرة النبي - عليه السلام - قال: "فما قدم يعني رسول الله - عليه السلام - المدينة حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى في سور من المفصل.
وروينا في حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه (¬5) - في قصة من خرج في صلاته حين افتتح سورة البقرة أن النبي - عليه السلام - أمره أن يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحو ذلك، وكان هذا أيضًا قبل مرضه بكثير، وقد تحير صاحب هذه المقالة في خبر معاذ، وصار أمره إلى أن حمله في مسألة "الفريضة خلف التطوع" على أن ذلك كان في وقت تصلى فيه الفريضة الواحدة في يوم واحد مرتين وذلك في زعمه في أول الإسلام، فنزول {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} عنده إذن في تلك المسألة في أول الإسلام، وفي هذه المسألة في اليوم الذي توفي فيه رسول الله - عليه السلام -، ليستقيم قوله في الموضعين، وهذا شأن من يسوي الأخبار على مذهبه، ويجعل مذهبه أصلًا، وأحاديث رسول الله - عليه السلام - تبعًا، والله المستعان، ومشهور فيما بين أهل التفسير أن سورة سبح اسم ربك الأعلى، وسورة الواقعة والحاقة اللتين فيهما {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} نزلن بمكة وهو فيما رويناه عن الحسن البصري وعكرمة وغيرهما فكيف استجاز هذا الشيخ ادعاء نسخ ما ورد في
¬__________
(¬1) أخرجه النسائي في "الكبرى" (1/ 547 رقم 1774)، وأحمد (5/ 7 رقم 20092)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 294 رقم 5989).
(¬2) سورة الغاشية.
(¬3) أخرجها أبو داود (1/ 362 رقم 1125)، والنسائي (3/ 111 رقم 1422)، وأحمد (5/ 13 رقم 20162).
(¬4) أخرجه البخاري (3/ 1428 رقم 3710).
(¬5) تقدم

الصفحة 274