كتاب نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار (اسم الجزء: 4)

قالوا: ومعناه على ضعفه الاجتهاد، أي: لا ينفع ذا الاجتهاد منك اجتهاده، إنما ينفعه وينجيه رحمتك.
وقيل: المراد: ذا الجد والسعي التام في الحرص على الدنيا.
وقيل: معناه: الإسراع في الهرب، أي: لا ينفع ذا الإسراع في الهرب منك هروبه فإنه في قبضتك وسلطانك.
فإن قيل: بيَّن لي إعراب هذا الكلام؟
قلت: "ذا الجد" منصوب على أنه مفعول "لا ينفع"، وكلمة "من" في قوله: "منك" للبدل كما في قوله تعالى: {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} (¬1) أي: بدل طاعة الله، أو بدل رحمة الله. وكما في قوله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} (¬2) أي بدل الآخرة.
وقوله: {لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} (¬3) أي: بدلكم؛ لأن الملائكة لا تكون من الإنس.
وقال أبو حيان: إثبات البدلية لـ "مِنْ" فيه خلاف، وأصحابنا ينكرونه، وغيرهم قد أثبته، وزعم أنها تأتي لمعنى البدل، واستدل بالآيات التي تَلَوْنَا وبقول الشاعر:
[أخذوا] (¬4) المخاضَ من الفصيل غُلُبَّة ... ظلما ويكتبُ للأميرِ أفِيلا
أي: بدل الفصيل -وهو ولد الناقة إذا فُصل عن أمّه- والجمع فصلان، والمخاض ما تمت له سنة وطعنت في الثانية، وغُلُبَّةَّ -بضم الغين المعجمة واللام وتشديد الباء الموحدة المفتوحة -وهو مصدر من غلب يغلب وكذلك غُلُبّى وغَلاَبِية وغَلْبا وغَلَبَا بتسكين اللام وتحريكها، وغلَبةً ومَغْلبةً، والأفيل -بفتح الهمزة وكسر
¬__________
(¬1) سورة آل عمران، آية: [10].
(¬2) سورة التوبة، آية: [38].
(¬3) سورة الزخرف، آية: [60].
(¬4) في "الأصل، ك": "أخذ"، والمثبت من "ديوان الراعي النميري" و"خزانة الأدب".

الصفحة 300