3606 - (خ) - حدثنا سليمان، قال: ثنا عبد السلام بن عبد الوهاب وغيره، قالا: ثنا سليمان، قال: ثنا أحمد بن عبد الوهاب، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، قال: ثنا أبو الزناد، عن الأعرج:
عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هاجر إبراهيم بسارة، فدخل بها قرية فيها جبار من الجبابرة، فأرسل إلى إبراهيم، فقال: من هذه؟ فقال: أختي؛ خشي إن قال: امرأتي أن يقتله، فيأخذها منه، فأرسل: أن أرسل بها، فأرسل بها إليه، فقام إليها، فقامت توضأ وتصلي، فلما أرادها قالت: اللهم إنك تعلم أني آمنت بك وبرسولك، وحصنت فرجي إلا على رسولك؛ فلا تسلط علي هذا الكافر، فغط، فركض برجله، فقالت: اللهم إن يمت يقال: إنها قتلته، فأرسل، ثم أرادها، فغط مثل ذلك، فقالت: اللهم إني آمنت بك، وحصنت فرجي إلا على رسولك، فغط، فقالت: اللهم إن يمت يقال: هي قتلته، فأرسل، فقال: إن جئتموني الليلة إلا بشيطان، فأرسلها وأخدمها هاجر، فقالت: ألم تر أن الله رد كيد الكافر وأخدم وليدة؟)).
3607 - (خ) - حدثنا محمد بن أحمد بن علي، قال: ثنا أحمد #369# ابن موسى، قال: ثنا إبراهيم بن محمد، قال: ثنا هارون بن يوسف، قال: ثنا ابن أبي عمر، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن أيوب وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة -يزيد أحدهما على صاحبه-، عن سعيد بن جبير:
قال ابن عباس: أول ما اتخذت النساء النطق من قبل أم إسماعيل؛ اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعها هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟! قالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا لا يضيعنا، ثم رجعت، وانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه بها، فقال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} حتى بلغ إلى قوله: {لعلهم يشكرون}، فجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجاع، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال: يتلبط-، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، فهبطت من #370# الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات -قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فلذلك يسعى الناس بينهما)) -، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت: صه! تريد نفسها، ثم تسمعت أيضا، فسمعت، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم يبحث بعقبه -أو قال: بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه هكذا وتقول بيدها، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهي تفور بقدر ما تغرف -قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يرحم الله أم إسماعيل! لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء- لكانت زمزم عينا معينا)) -، قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة؛ فإن هاهنا بيت الله عز وجل يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول، فيأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانوا كذلك حتى مر بهم قوم من جرهم -أو: أهل بيت من جرهم- مقبلين من طريق كدى، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا، فقالوا: إنه ليدور على ماء؛ ولعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا، فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، فقالوا: نعم -قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((قالت ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس)) -، وأرسلوا #371# إليهم، فنزلوا معهم، ونزلوا معها حتى كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل، قال: فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل ليطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل عنه امرأته، فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة، وشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك، فأخبرناه، وسألنا: كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، وقد أمرني أن أفارقك؛ فالحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاه بعد ذلك، فلم يجده، فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، فقال: كيف أنت؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بخير، ونحن في سعة، وأثنت على الله عز وجل، فقال: ما طعامكم؟ فقالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء -قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم حب دعا لهم فيه))، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه-، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه أن يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ # 372# قالت: نعم، جاءنا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك، فأخبرته، وسألني: كيف عيشنا؟ وأخبرته أنا بخير، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، وأمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء الله عز وجل، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال إبراهيم: يا إسماعيل! إن الله تعالى أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: أفتعينني؟ قال: فأعينك، قال: فإن الله تعالى أمرني أن أبتني بيتا هاهنا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، قال: فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى ارتفع البناء، فلما ارتفع البناء جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}، فجعلا يبنيان، وهما يدوران حول البيت وهما يقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}.