كتاب جامع الصحيحين لابن الحداد (اسم الجزء: 4)

ومنها: علامة أخرى أظهرها الله في السفر وقت رجوعهم من خيبر:
2992 - (خ) - حدثنا عمر بن أحمد، قال: أنا أبو سعيد، قال: أنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، قال: ثنا معاذ بن المثنى، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا عوف، قال: حدثني أبو رجاء، قال:
حدثني عمران بن حصين قال: كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإنا سرينا، حتى إذا كان من آخر الليل وقعنا تلك الوقعة؛ ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، قال: وكان أول من استيقظ فلان، ثم فلان، ثم فلان، -كان يسميهم أبو رجاء، ونسيهم عوف- ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في النوم، فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس، وكان رجلا جليدا، فكبر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير، حتى استيقظ بصوته رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، فقال: ((لا سوء -أو لا يضير-، ارتحلوا))، #51# فارتحل، فسار غير بعيد، ثم نزل، فدعا بالوضوء، فتوضأ، ونودي بالصلاة، فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: ((ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟)) قال: يا رسول الله! أصابتني جنابة، ولا ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك))، ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتكى الناس العطش، فنزل، فدعا فلانا -كان يسميه أبو رجاء، ونسيه عوف- ودعا عليا، وقال: ((اذهبا، فأتيا بالماء))، فانطلقا، فتلقيا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونفرنا خلوف، قال: فقالا لها: انطلقي، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: هذا الذي يقال له: الصابئ، قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي إذا، وجاءا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثاه الحديث، فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء، ففرغ فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق العزالي، ونودي في الناس: أن اسقوا واستقوا، قال: فسقى من شاء، وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: ((اذهب، فأفرغه عليك))، قال: وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، قال: وايم الله! لقد أقلع عنها، وإنه ليخيل إليها أنها أشد ملأة منها حين ابتدئ فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اجمعوا لها طعاما))، فجمع لها من تمر عجوة ودقيقة وسويقة، حتى جمعوا لها طعاما، فجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تعلمين، والله ما رزأنا من مائك #52# شيئا؛ ولكن الله تعالى هو الذي سقانا؛ فأتي أهلك))، قال: فأتت أهلها، وقد احتبست عليهم، فقالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب؛ لقيني رجلان، فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له: الصابئ، ففعل بمائي كذا وكذا -للذي كان-، فوالله إنه لأسحر من بين هذه وهذه -وقالت بإصبعيها السبابة والوسطى، فرفعتهما إلى السماء، تعني: السماء والأرض-، أو إنه لرسول الله حقا، فكان المسلمون بعد يغيرون على ما حولها من المشركين، ولا يصيبون الصرم الذي هي منه، فقالت يوما لقومها: ما أرى أن هؤلاء قوم يدعونكم عمدا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام.
وفي رواية سلم بن زرير، عن أبي رجاء قال: شربنا عطاشا أربعين رجلا حتى روينا، وملأنا كل قربة معنا وإداوة، ثم قال: ((إنا لم نرزأ من مائك شيئا)).

الصفحة 50