كتاب جامع الصحيحين لابن الحداد (اسم الجزء: 4)

ومنها: دفعة أخرى بدعائه ورغبته إلى الله عز وجل:
3000 - (م) - حدثنا ابن أبي عثمان، قال: أنا ابن مهدي، قال: أنا الحسين بن يحيى، قال: ثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: ثنا سعيد بن سليمان ح:
وحدثنا أحمد بن الحسين العمرواي وغيره، قالا: ثنا أبو سعد، قال: أنا عبد الله بن محمد، قال: أنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: ثنا إسحاق، قال: أنا النضر بن شميل -واللفظ له-، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى:
عن المقداد بن الأسود قال: أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، فعرضنا أنفسنا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقبلنا أحد منهم، فانطلقنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلق بنا إلى أهلهن فإذا ثلاثة أعنز، فقال: ((احلبهن يا مقداد، ثم جزئهن أربعة أجزاء وأعط كل إنسان جزءه)) -وفي رواية النضر: ((احتلبوا، ثم اقتسموه بيننا)) -، قال: فكنا نفعل ونرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبه، قال: فيجيء من الليل، فيسلم تسليما لا يوقظ النائم ويسمع اليقظان، قال: فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشربه، فأتاني الشيطان ذات ليلة، وقد شربت نصيبي، فقال: إن محمدا #64# يأتي الأنصار، فيتحفونه، ويصيب من عندهم؛ فما به حاجة إلى هذه الجرعة، فما زال عني حتى شربتها، فلم يعد أن وغلت في بطني، ولم يكن لي إليها سبيل، فندمني الشيطان، وقال: ويحك! ما صنعت؛ شربت شراب محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء دعا عليك؛ فتهلك، وتذهب دنياك وآخرتك؟! وعلي شملة، يعني: من صوف -وقال النضر: وعلي بردة- لي، إذا أرسلتها على قدمي خرج رأسي، وإذا رفعتها على رأسي خرجت قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، ونام صاحباي، ولم يصنعا ما صنعت، قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد، فصلى كما كان يصلي، ثم أتى شرابه، فكشف عنه، فلم يجد شيئا، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو علي، فأهلك، فقال: ((اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني))، قال: فاتزرت، فشددت إزاري، ثم أخذت الشفرة، فأتيت الأعنز، فجعلت أحسهن أيتهن أسمن؛ فأذبحها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعت يدي على ضرع إحداهن فإذا هي حافل، وإذا هن حفل كلهن، فعمدت إلى إناء لآل محمد صلى الله عليه وسلم لم يطمعوا أن يحتلبوا فيه، قال: فحلبت فيه حتى علته رغوة، ثم جئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أما شربتم شرابكم الليلة؟)) قال: فقلت: يا رسول الله! اشرب، فشرب ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله! اشرب، فشرب ثم ناولني، فأخذت ما بقي فشربته، فلم أعد أن علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد روي، وأصبت دعوته ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذه إحدى سوآتك يا مقداد))، فقلت: يا رسول الله! إنه كان من أمري #65# كذا وكذا، وصنعت كذا وكذا، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما كانت هذه إلا رحمة)).
وفي رواية سعيد بن سليمان: ((هذه بركة أنزلت من السماء، فهلا كنت تؤذنني؛ فتوقظ صاحبينا هذين، فيصيبان منها))، فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق! ما أبالي إذ أصبت منها، وأصبت منها معك أن لا يصيب أحد من الناس منها.
وفي رواية سعيد: من أخطأت.

الصفحة 63