قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا جرير، عن عطاء، عن أبي الضحى، عن عباس رضي اللَّه عنه قال: أول ما خلق اللَّه القلم، ثم قال له: اكتب. قال: اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة (¬1).
"السنة" لعبد اللَّه 2/ 401 (871)، 2/ 410 (894)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا هشيم، أنا منصور -يعني: ابن زاذان-
¬__________
= قبل أن أخلق؟ "، فإذا أذنب الرجل ذنبًا ثم تاب منه توبة نصوحًا وزال أثره وموجبه حتى كأن لم يكن، فأنَّبه مؤنّب عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك، ويقول: هذا أمر كان قد قدر عليَّ قبل أن أخلق، فإنه لم يدفع بالقدر حقا، ولا ذكره حجة له على باطل، فلا محذور في الاحتجاج به.
وأما الموضع الذي يضرّ الاحتجاج به ففي الحال أو المستقبل، بأن يرتكب فعلًا محرمًا أو يترك واجبًا، فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيُبطل بالاحتجاج به حقا، ويرتكب باطلًا، كما احتجَّ به المصرون على شركهم وعبادتهم غير اللَّه فقالوا: {مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148] {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف: 20] فاحتجوا به مُصَوِّبين لما هم عليه، وأنهم لم يندموا على فعله، ولم يعزموا على تركه، ولم يقروا بفساده، فهذا ضدُّ احتجاج من تبين له خطأ نفسه، وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود، فإذا لامه لائم بعد ذلك قال: كان ما كان بقدر اللَّه.
ونكتة المسألة: أن اللوم إذا ارتفع صحَّ الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعًا فالاحتجاج بالقدر باطل. "شفاء العليل" 1/ 93 - 95.
(¬1) رواه الطبري في "تفسيره" 12/ 175، وعبد بن حميد في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" 6/ 387، ورواه مرفوعا الطبراني 11/ 433 من طريق عطاء به.
ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" (108)، وأبو يعلى 4/ 217 (2329) من طرق عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا.
والحديث المرفوع صححه الألباني في "ظلال الجنة" (108)، و"الصحيحة" (133).
وله فوائد ذكرها الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة".