كتاب فتح الودود في شرح سنن أبي داود (اسم الجزء: 4)
جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ
===
حديث "هم من آبائهم" على الأحكام الدنيوية، كذا قيل، والأقرب في التوفيق أن يقال جاء قوله - صلى الله عليه وسلم -: (هم من آبائهم) علي ما هو الغالب المظنون فيهم، إذ الظاهر أن الولد يتبع الآباء في الدين إن عاش، لكن قد يكون الأمر بخلافه، فأشار - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك التحقيق بقوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، وإلى ما هو الغالب بقوله: "هم من آبائهم" وبنى ذلك الغالب على هذا التحقيق؛ لأن الناظر إلى هذا التحقيق يفيد ذلك الغالب، وأشار إلى وجه البناء بقوله: "فأبواه يهودانه" ومنع عن الجزم بقوله لعائشة: "أو غير ذلك" وصح في بعض أطفال المؤمنين بالكفر، فقال في الغلام الَّذي قتله الخضر: "طبع كافرًا" وكذا في بعض أطفال الكافرين فقال: "الوائدة والموءودة في النار" وجزم في بعض المشركين بالخير، فقال في رؤياه الطويل: "وأما الرجل الطويل الَّذي في الروضة فإنه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة"، فقال بعض المسلمين": يا رسول الله وأولاد المشركين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وأولاد المشركين" رواه البخاري في صحيحه في كتاب (¬1) الرؤيا.
فصار الحاصل أنَّه ينبغي التوقف ولا ينبغي الجزم مع كون الغالب هو أن الطفل كالأب، وعلم أن السعادة والشقاوة ليست بالأعمال بل باللطف الرباني والخذلان الإلهي، وعلى هذا فقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (¬2) يدل على عذاب الاستيصال في الدنيا؛ لأن حتَّى تقتضي ظاهرًا أن
¬__________
(¬1) البخاري في الجنائز (1383 - 1385)، وفي القدر (6597 - 6600).
(¬2) سورة الإسراء: آية (15).