كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 4)

متى رأيت صروف الدهر تاركة إذا انبرت لذوي الأخطار أرماقا
وقال لي من أثقه: لما ثار ابنه حيث ثار، وأثار من حقد أمير المؤمنين عليه ما أثار، جزع جزعاً مفرطاً، وعلم أنه قد صار في أنشوطة الشر متورطاً، وجعل يتشكى من فعله ويتظلم، ويتوجع منه ويتألم، ويقول: عرض بي للمحن، ورضي لي أن أمتحن، ووالله ما أبكي إلا انكشاف من أتخلفه بعدي، ويتحيفه بعدي، ثم أطرق ورفه رأسه وقد تهللت أسرته، وظللته مسرته، ورأيته قد استجمع، وتشوف إلى السماء وتطلع، فعلمت أنه قد رحا عودة إلى لطانه وأوبة إلى أوطانه، فما كان إلا بمقدار ما تنداح دائرة، أو تلتفت مقلة حائرة، حتى قال:
كذا يهلك السيف في جفنه على هز كفي طويل الحنين
كذا يعطش الرمح لم أعتقله ولم تروه من نجيع يميني
كذا يمنع الطرف علك الشكي م مرتقباً غرة في كمين
كأن الفوارس فيه ليوث تراعي فرائسها في عرين
ألا شرف يرحم المشرفي مما به من شمات الوتين
ألا كرم ينعش السمهري ويشفيه من كل داء دفين
ألا حنة لابن محنية شديد الحنين ضعيف الأنين
يؤمل من صدرها ضمة تبوئه صدر كفؤ معين
وكانت طائفة من أهل فاس قد عاثوا فيها وفسقوا، وانتظموا في سلك الطغيان واتسقوا، ومنعوا جفون أهلا السنات، وأخذوا البنين من حجور آبائهم والبنات، وتلقبوا بالإمارة، وأركبوا السوء نفوسهم الأمارة، حتى كادت أن تقفز على أيديهم، وتدثر رسومها بإفراط تعديهم، إلى أن تدارك أمير المسلمين رحمه الله تعالى أمرهم، وأطفأ جمرهم، وأوجعهم ضرباً، وأقطعهم ما شاء حزناً وكرباً، وسجنهم بأغمات، وضمتهم جوانح الملمات

الصفحة 220