كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 4)

فأسرح لا شملي صديع، ولا الحشا وجيع، ولا عيناي يبكيهما ثكل
هنيئاً لها أن لم يفرق جميعها ولا ذاق منها البعد عن أهلها أهل
وإذ لم تبت مثلي تطير قلوبها إذا اهتز باب السجن أو صلصل القفل
وما ذاك مما يعتريه، وإنما وصفت التي في جبلة الخلق من قبل
لنفسي إلى لقيا (1) الحمام تشوف ... سواي يحب العيش في ساقه كبل ألا عصم الله القطا في فراخها فإن فراخي خانها الماء والظل
وفي هذه الحالة زاره الأديب أبو بكر ابن اللبانة، وهو أجد شعراء دولته المرتضعين دررها، المنتجعين دررها، وكان المعتمد رحمه الله تعالى يميزه بالشفوف والإحسان، ويجوزه في فرسان هذا الشان، فلما رآه وحلقات الكبل قد عضت بساقيه عض الأسود، والتوت عليه التواء الأساود السود، وهو لا يطيق إعمال قدم، ولا يريق دمعاً إلا ممزوجاً بدم، بعدما عهده فوق منبر وسرير، ووسط جنة وحرير، تخفق عليه الألوية، وتشرق منه الأندية، وتكف الأمطار من راحته، وتشرف (2) الأقدار بحلول ساحته، ويرتاع الدهر من أوامره ونواهيه، ويقصر النسر أن يقارنه أو يضاهيه، ندبه بكل مقال يلهب الأكباد، ويثير فيها لوعة الحرث بن عباد، أبدع من أناشيد معبد، وأصدع للكبد من مراثي أربد، أو بكاء ذي الرمة بالمربد، سلك فيها للاحتفاء طريقاً لاحباً، وغدا فيها لذيول الوفاء ساحباً، فمن ذلك قوله:
انفض يديك من الدنياوساكنها فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا
وقل لعالمها السفلي قد كتمت سريرة العالم العلوي أغمات
طوت مظلتها لا بل مذلتها من لم تزل فوقه للعز رايات
من كان بين الندى ولبأس أنصله هندية وعطاياه هندية
__________
(1) م: أن ألقى.
(2) ق ودوزي: وتشرق.

الصفحة 222