كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 4)

وهو القائل وقد حن في طريقه، إلى فريقه:
أدار النوى كم طال فيك تلذذي وكم غقتني عن دار أهيف أغيد
حلفت به لو قد تعرض دونه كماة الأعادي في النسيج المسرد
لجردت للضرب المهند، فانقضى مرادي، وعزماً مثل حد المهند
والقاضي أبو القاسم هذا جدهم، وبه سفر مجدهم، وهو الذي اقتنص لهم الملك النافر، واختصهم منه بالحظ الوافر، فإنه أخذ الرياسة من أيدي جبابر، وأضحى من ظلالها أعيان أكابر، عندما أناخت بها أطماعهم، وأصاخت إليها أسماعهم، وامتدت إليها من مستحقيها اليد، وأتلعوا أجياد زانها الجيد، وفغر عليها فمه حتى هجا بيت العبدى، وتصدى إليها من تحضر وتبدى، فاقتعد سنامها وغاربها، وأبعد عنها عجمها وأعاربها، وفاز من الملك بأوفر حصة، وغدت سمته به صفة مختصة، فلم يمح رسم القضاء، ولم يتسم بسمة الملك مع ذلك النفوذ والمضاء، وما زال يحمي حوزته، ويجلو غرته، حتى حوته الرجام، وخلت منه تلك الآجام، وانتقل الملك إلى ابنه المعتضد، وحل منه في روض نمق له ونضد، ولم يعمر فيه ولم يدم ولاه، وتسمى بالمعتضد بالله، وارتمى إلى أبعد غايات الجود بما أناله وأولاده، لولا بطش في اقتضاء النفوس كدر ذلك المنهل، وعكر أثناء ذلك صفو العل والنهل (1) ، وما زال للأرواح قابضاً، وللوثوب عليها رابضاً، يخطف أعداءه اختطاف الطائر من الوكر، وينتصف منهم بالدهاء والمكر، إلى أن أفضى الملك إلى ابنه المعتمد، فاكتحل منه طرفه الرمد، وأحمد مجده، وتقلد منه أي بأس ونجدة، ونال به الحق مناه، وجر رسنه، وأقام في الملك ثلاثاً وعشرين سنة، لم تعدم له فيها حسنة ولا سيرة مستحسنة، إلى أن غلب على سلطانه، وذهب به من أوطانه، فنقل،
__________
(1) م: وتصدر أثناء العل والنهل؛ المطمح: وتصور.... إلخ.

الصفحة 227