كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

103 و كان الضّياء المذكور، من المتعصّبين على الظّلمة، القائلين بالحق، الذين لا يأخذهم فى اللّه لومة لائم.
*قال الولىّ العراقىّ: و فى يوم الاثنين، سادس عشر ذى الحجّة، سنة ثمانين و سبعمائة، عقد مجلس عند الأميرين الكبيرين برقوق و بركة، بحضور القضاة الأربعة، و المشايخ المعتبرين؛ الشيخ أكمل الدين البابرتىّ، و الشيخ سراج الدّين البلقينىّ، و الشيخ ضياء الدين القرمىّ، بسبب إبطال أوقاف الأراضى المشتراة من بيت المال، و إعادتها إلى بيت المال؛ لأنّها تباع من غير أن تدعو حاجة المسلمين إلى ذلك. فأجاب أكثر الحاضرين بمنع ذلك إذا حكم حاكم بصحّته، فإنّ نقض الحكم فى محلّ الاجتهاد ممتنع، و جميع الأوقاف المذكورة محكوم بصحّتها. و مال شيخنا البلقينىّ إلى الإبطال، و أنّ حكم القضاة بذلك لم يصادف محلاّ؛ لأنّهم إنّما فعلوه خوفا على مناصبهم، فإنّهم لو امتنعوا لعزلوا، كما جرى لابن منصور، قاضى الحنفيّة، لمّا جاء إليه بشاء من هذا ليثبته، فامتنع من ذلك، فعزل، و وقع بين شيخنا المذكور و بين الشيخ ضياء الدّين القرمىّ بسبب ذلك ما أوجب الوحشة بينهما، مع تأكّد المودّة بينهما قبل ذلك، و اجتمعت بالشيخ ضياء الدين عقيب ذلك، و وجدته متغيّر الخاطر، متألّما بسبب ذلك، و تصعّف، فمات بعد جمعة.
قال: و بلغنى أنّ الشيخ أكمل الدين قال للأمراء: إن كنتم تريدون الشّرع، فهؤلاء علماء الشرع أفتوكم بعدم الجواز، و إن كنتم تريدون قطع أرزاق العلماء، فرتّبوا لهم كما رتّب فرعون لخادم الأصنام أو نصفه. و انفصل المجلس على تنافر، و استمّرت الأوقاف على حالها. انتهى ملخّصا.
قلت: فى سياق هذه الواقعة ما يدلّ على أنّ الشيخ إنّما كان سبب موته حدّة الغيرة و الغضب للّه تعالى، فجزاه اللّه عن المسلمين خيرا.
و قيل: كان سبب موته خوفه من برقوق، لكلام خشن كلّمه إيّاه، خاف منه على نفسه
/و ذكره الحافظ ابن حجر فى «إنبائه»، و بالغ فى الثّناء عليه. و ذكر فى الحوادث أنّ البلقينىّ لم يوافق على إبطال الأوقاف مطلقا، و لم يمل إليه، بل قال: أمّا أوقاف الجوامع و المدارس و جميع ما للعلماء و الطلبة، فلا سبيل إليه، و لا يحلّ لأحد نقضه؛ لأنّ لهم فى الخمس أكثر من ذلك، و أمّا ما وقف على عويشة و فطيمة، و اشترى لأمثالهما من بيت

الصفحة 103