كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)
116 ولاّه أمير المؤمنين المهدىّ القضاء ببغداد، فى الجانب الشرقىّ.
و حدّث عن محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، و سليمان الأعمش، و غيرهما.
و روى الخطيب، عن إسحاق بن إبراهيم، أنه قال: كان أصحاب أبى حنيفة، رضى اللّه تعالى عنه، الذين يذاكرونه؛ أبو يوسف، و زفر، و داود الطّائىّ، و أسد بن عمرو، و عافية الأودىّ، و القاسم بن معن، و على بن مسهر، و مندل و حبّان، ابنا علىّ، و كانوا يخوضون فى المسألة، فإن لم يحضر عافية، قال أبو حنيفة، رضى اللّه تعالى عنه: لا ترفعوا المسألة حتى يحضر عافية. فإذا حضر عافية، فإن وافقهم، قال أبو حنيفة، رضى اللّه تعالى عنه: أثبتوها. و إن لم يوافقهم، قال أبو حنيفة: لا تثبتوها.
و قد كان المهدىّ أشرك فى القضاء بينه و بين محمد بن عبد اللّه بن علاثه الكلابىّ، فكانا يقضيان جميعا فى المسجد الجامع فى الرّصافة، هذا فى أدناه و هذا فى أقصاه، و كان عافية أكثرهما دخولا على المهدىّ.
و حدّث إسماعيل بن إسحاق القاضى، عن أشياخه، قال: كان عافية القاضى يتقلّد للمهدىّ القضاء بإحدى جانبى بغداد، مكان ابن علاثة، و كان عافية عالما زاهدا، فصار إلى المهدىّ فى وقت الظهر فى يوم من الأيّام، و هو خال، فاستأذن عليه، فأدخله، فإذا معه قمطره، فاستعفاه من القضاء، و استأذنه فى تسليم القمطر إلى من يأمر بذلك، فظنّ أنّ بعض الأولياء قد غضّ منه، أو أضعف يده فى الحكم، فقال له فى ذلك، فقال: ما جرى من هذا شاء. فقال: فما سبب استعفائك؟ فقال: كان يتقدّم إلىّ خصمان موسران وجيهان منذ شهرين، فى قضيّة معضلة مشكلة، و كلّ يدّعى بيّنة و شهودا، و يدلى بحجج تحتاج إلى تأمّل و تثبّت، فرددت الخصومة، رجاء أن يصطلحا، أو يعنّ لى وجه فصل ما بينهما. قال: فوقف أحدهما من خبرى على أنّى أحبّ الرّطب السّكّر، فعمد فى وقتنا، و هو أوّل أوقات الرّطب، إلى أن جمع رطبا سكّرا، لا يتهيّأ فى وقتنا جمع مثله إلاّ لأمير المؤمنين، و ما رأيت أحسن منه، و رشا بوّابى جملة دراهم، على أن يدخل الطّبق إلىّ، و لا يبالى أن يردّ، فلمّا أدخل إلىّ، أنكرت ذلك، و طردت بوّابى، و أمرت بردّ الطّبق، فردّ، فلما كان اليوم تقدّم إلىّ مع خصمه، فما تساويا فى قلبى و لا فى عينى، و هذا يا أمير المؤمنين و لم أقبل، فكيف يكون حالى لو قبلت، و لا آمن أن يقع علىّ حيلة فى دينى فأهلك، و قد فسد الناس، فأقلنى أقالك اللّه، و أعفنى. فأعفاه.