كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

117 و روى عن بعضهم، أنّه قال: كنت عند الرّشيد يوما، فرفع إليه فى قاض كان استقضاه يقال له عافية، فكبر عليه، و أمر بإحضاره، فأحضر، و كان فى المجلس جمع كثير، فجعل أمير المؤمنين يخاطبه و يوقفه على/ما رفع إليه، و طال المجلس، ثم إنّ أمير المؤمنين عطس، فشمّته من كان بالحضرة ممّن قرب منه سواه، فإنّه لم يشمّته، فقال له الرشيد: ما بالك لم تشمّتنى كما فعل القوم؟ فقال له عافية: لأنّك يا أمير المؤمنين لم تحمد اللّه، فلذلك لم أشمّتك، هذا النبىّ صلّى اللّه عليه و سلم عطس عنده رجلان، فشمّت أحدهما و لم يشمّت الآخر، فقال: يا رسول اللّه مالك شمّت ذلك و لم تشمّتنى. قال:
«لأنّ هذا حمد اللّه فشمّتناه، و أنت فلم تحمده فلم أشمّتك» 1. فقال له الرشيد:
ارجع إلى عملك، أنت لم تسامح فى عطسة، تسامح فى غيرها. و صرفه منصرفا جميلا، و زبر القوم الذين كانوا رفعوا عليه.
و قال ابن الأعرابىّ: خاصم أبو دلامة رجلا إلى عافية، رحمه اللّه تعالى، فقال 2:

لقد خاصمتنى غواة الرجال
و خاصمتهم سنة وافيه

فما أدحض اللّه لى حجّة
و ما خيّب اللّه لى قافيه

فمن كنت من جوره خائفا
فلست أخافك يا عافيه

فقال له عافية: لأشكونّك إلى أمير المؤمنين. قال: لم تشكونى؟ قال: لأنّك هجوتنى. قال: و اللّه لئن شكوتنى إليه ليعزلنّك. قال: و لم؟ قال: لأنّك لا تعرف الهجاء من المديح. رحمه اللّه تعالى ما كان أصفى نيّته، و أسلم طويّته. نفعنا اللّه ببركاته، آمين.
***

1015 - عالم بن العلاء *

صاحب «الفتاوى التّاتارخانيّة» المشهورة.

1) أخرجه البخارى، فى: باب الحمد للعطس، و باب لا يشمت العاطس إذا لم يحمد اللّه، من كتاب الأدب. صحيح البخارى 8/ 60، 61. و مسلم، فى: باب تشميت العاطس. . .، من كتاب الزهد و الرقائق. صحيح مسلم 4/ 2292. و أبو داود، فى: باب فى من يعطس و لا يحمد اللّه، من كتاب الأدب. سنن أبى داود 2/ 604. و الترمذى، فى: باب ما جاء فى إيجاب التشميت بحمد العاطس، من كتاب الأدب. عارضة الأحوذى 8/ 202. و ابن ماجه، فى: باب تشميت العاطس، من كتاب الأدب. سنن ابن ماجه 2/ 1223. و الدارمى، فى: باب إذا لم يحمد اللّه لا يشمته، من كتاب الاستئذان. سنن الدارمى 2/ 283، 284. و الإمام أحمد، فى: المسند 3/ 100، 117، 176.
2) تاريخ بغداد 12/ 310.
*) ترجمته فى: كشف الظنون 1/ 268، 947، هدية العارفين 1/ 435. و فيهما أن وفاته سنة ست و ثمانين و مائتين.

الصفحة 117