كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)
184 المبارك، قال: تحمّلت عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف منهم. ثم قال العباس:
وقع لى من شيوخه ثمانمائة.
و عن على بن الحسن بن شقيق، قال: قمت مع ابن المبارك فى ليلة باردة، ليخرج من المسجد، فذاكرنى عند الباب بحديث، و ذاكرته، فما زال يذاكرنى حتى جاء المؤذّن، فأذّن للفجر.
و كان ابن المبارك من صيانة العلم، و عدم ابتذاله لأهل الدّول و أهل المناصب، و من ليس له بأهل، على جانب عظيم.
و روى أنّ رجلا من بنى هاشم جاء إليه يسمع منه، فامتنع ابن المبارك، فقال الهاشمىّ لغلامه: قم بنا. فلمّا أراد الرّكوب، جاء ابن المبارك ليمسك بركابه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، لا ترى أن تحدّثنى، و تمسك بركابى؟ فقال: رأيت أن أذلّ لك بدنى، و لا أذلّ لك الحديث.
و عن الفضيل بن عياض، أنّه قال. و هو بمكة: و ربّ هذا البيت ما رأت عيناى مثل ابن المبارك.
و قال عبد اللّه بن سنان: قدم ابن المبارك مكة و أنا بها، فلما خرج شيّعه سفيان ابن عيينة، و الفضيل بن عياض، و ودّعاه، فقال أحدهما: هذا فقيه أهل المشرق. و قال الآخر: و فقيه أهل المغرب.
و قال نعيم بن حمّاد: كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب «الزهد» كأنّه ثور قد ذبح، لا يقدر أن يتكلّم.
و قال أبو عمر ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدا من الفقهاء سلم أن يقال فيه شاء، إلاّ عبد اللّه بن المبارك 1.
و ذكر ابن عساكر، فى «تاريخ دمشق» لعبد اللّه بن المبارك ترجمة واسعة، أحببت أن ألخّص منها ما يكون فيه قدوة لأهل العلم، و هاد لأهل الرّشاد، و طريق لأهل النّجاة، و مبين لما كان عليه عبد اللّه من العلم و الدّين و الورع و غير ذلك، و إن كان فيما ذكرناه كفاية، فإنّ مثل أخبار عبد اللّه و أوصافه، لا يملّ سماعها إلاّ مبتدع، /عميت بصيرته، و لم تخلص من الكدر سريرته؛ فمن ذلك ما روى، أنّ عبد اللّه بن المبارك،