كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)
185 رضى اللّه تعالى عنه، قال-و قد سئل عن أوّل زهده-إنّى كنت يوما فى بستان، و أنا شابّ، مع جماعة من أترابى، و ذلك فى وقت الفواكه، فأكلنا و شربنا، و كنت مولعا بضرب العود، فقمت فى بعض الليل، و إذا غصن يتحرّك عند رأسى، فأخذت العود لأضرب، فإذا بالعود ينطق و هو يقول: أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللّاهِ 1، قال: فضربت بالعود الأرض فكسرته، و صرفت ما عندى من جميع الأمور التى كنت عليها، ممّا يشغل عن اللّه تعالى، و جاء التوفيق من اللّه تعالى، فكان ما سهّل لنا من الخير، بفضل اللّه و رحمته.
و قال عبد اللّه: نظر أبو حنيفة إلى أبى فقال: أدّت أمّه إليك الأمانة، و كان أشبه الناس بعبد اللّه.
و قيل له: يا أبا عبد الرحمن، حتى متى تكتب الحديث؟ فقال: لعلّ الكلمة التى أنتفع بها ما كتبتها بعد. و فى رواية: لعلّ الكلمة التى فيها نجاتى لم أسمعها بعد.
و عن عيسى بن سلمة بن وصيف، قال: اجتمع ابن المبارك و وكيع عند شريك، يكتبان عنه، و كان ابن المبارك إذا سوّد و رقته تركها تجفّ، و قام يركع، قال: و سمع ابن المبارك وكيعا يقدّم عليّا على عثمان، فقال: يا أبا سفيان، و إنّك لعلى هذا، لا كلّمتك حتى ألقى اللّه عزّ و جلّ.
و عن سفيان بن سعيد، أنّه كان يقول: أحببت أن أكون خمسة أيّام على وتيرة ابن المبارك، فلم أقدر عليه، و أربعة أيّام، فلم أقدر عليه، و ثلاثة أيّام، فلم أقدر عليه، و يومين، فلم أقدر عليه.
قال شعيب بن حرب: و كنّا نأتى ابن المبارك، فنحفظ عنه، ثم ننظر هل نستطيع أن نتعلّق عليه بشاء، فلا نقدر على شاء من ذلك.
و عن عمران بن موسى الطّرسوسىّ، قال: جاء رجل، فسأل سفيان الثّورىّ عن مسألة، فقال له: من أين أنت؟ قال: من أهل المشرق. قال: أو ليس عندكم أعلم أهل المشرق؟ قال: و من هو يا أبا عبد اللّه؟ قال: عبد اللّه بن المبارك. قال: هو أعلم أهل المشرق؟ قال: نعم، و أهل المغرب.