كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

187 و عن أبى وهب، أنّه قال 1: مرّ ابن المبارك برجل أعمى، فقال له: أسألك أن تدعو اللّه أن يردّ علىّ بصرى. قال: فدعا اللّه، فردّ عليه بصره و أنا أنظر.
و عن سويد بن سعيد، قال: رأيت عبد اللّه بن المبارك بمكة أتى زمزم، فاستقى منه شربة، ثم استقبل الكعبة فقال: اللّهمّ إن ابن أبى الموّال حدّثنا، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبىّ صلّى اللّه عليه و سلم، أنّه قال: «ماء زمزم لما شرب له» 2، و هذا أشربه لعطش القيامة. ثم شربه.
و عن عبد اللّه بن سنان، قال: كنت مع ابن المبارك، و المعتمر بن سليمان، بطرسوس، فصاح الناس: النّفير، النفير. قال: فخرج ابن المبارك و المعتمر، و خرج الناس، فلما اصطفّ المسلمون و العدوّ، خرج علج من الرّوم يطلب البراز، فخرج إليه رجل مسلم، فشدّ العلج على المسلم، فقتل المسلم، حتى قتل ستّة من المسلمين مبارزة، فجعل يتبختر بين الصّفّين، يطلب المبارزة، لا يخرج إليه أحد، قال: فالتفت إلىّ ابن المبارك فقال: يا عبد اللّه، إن حدث بى حدث الموت، فافعل كذا و كذا.
قال: و حرّك دابّته، و خرج العلج، فعالج معه ساعة، فقتل العلج، و طلب المبارزة، فخرج إليه علج آخر، فقتله، حتى قتل ستّة من العلوج مبارزة، و طلب البراز، فكأنّهم كاعوا عنه، فضرب دابّته، و نظر بين الصّفّين، و غاب، فلم أشعر بشاء إلاّ و ابن المبارك فى الموضع الذى كان فيه، فقال لى: يا عبد اللّه لئن حدّثت بهذا أحدا و أنا حىّ. و ذكر كلمة. قال: فما حدّثت به أحدا و هو حىّ.
و عن محمد بن إبراهيم بن أبى سكينة، قال: أملى علىّ عبد اللّه بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، و ودّعته للخروج، و أنفذها معى إلى الفضيل بن عياض، فى سنة سبعين و مائة، و فى رواية، سنة سبع و سبعين و مائة 3:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنّك فى العبادة تلعب

من كان يخضب خدّه بدموعه
فنحورنا بدمائنا تتخضّب

1) تاريخ بغداد 10/ 167.
2) أخرجه ابن ماجه، فى: باب الشرب من زمزم، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه 2/ 1018.
3) الشعر فى: سير أعلام النبلاء 8/ 364، و طبقات الشافعية الكبرى 1/ 286، 287.

الصفحة 187