كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)
190 يكثر الجلوس فى بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش و أنا مع النبىّ صلّى اللّه عليه و سلم و أصحابه. يعنى النّظر فى الحديث.
و عن أبى نعيم، أنّه قال: كان ابن المبارك يتّجر، و يقدم كلّ سنة مكة، فيبعث بالصّرر إلى أربابها، كفضيل بن عياض، و ابن عيينة، و ابن عليّة و غيرهم، فقدم سنة مكة، فوجد ابن عليّة قد ولى الصّدقات لهارون الرّشيد، فبعث بالصّرر إلى أربابها، و لم يبعث إلى ابن عليّة شيئا، و كان يعطيه فى كلّ سنة خمسمائة درهم، فركب ابن عليّة إليه، فسلّم عليه، فلم يرفع له رأسا، و لم يكلّمه، فكتب إليه: أسعدك اللّه بطاعته، و تولاّك بحفظه، و حاطك بحياطته، قد كنت منتظر البرّ و الصّلة منك، لأتبرّك بها، و جئتك مسلّما، فلم تكلّمنى، فأىّ شاء بدا منّى، فعرّفنى حتى أعتذر منه.
فلما قرأها ابن المبارك، قال: يأبى هذا الرجل إلاّ أن أقشر له العصا. و كتب إليه، رحمه اللّه تعالى 1:
يا جاعل العلم له بازيا
يصيد أموال المساكين 2
احتلت للدّنيا و لذّاتها
بحيلة تذهب بالدّين
فصرت مجنونا بها بعدما
كنت دواء للمجانين
أين رواياتك فى سردها
عن ابن عون و ابن سيرين
أين أحاديثك و القول فى
لزوم أبواب السّلاطين 3
إن قلت أكرهت فما كان ذا
زلّ حمار العلم فى الطّين 4
فلما قرأ الأبيات بكى، و دخل على هارون، فاستعفاه فقال: لعلّك التقيت بالمروزىّ؟ فقال له: ارحم شيبى. فأقاله، فبعث إليه ابن المبارك برسمه.
و عن الأصمعىّ، قال: سمعت ابن المبارك يقول: إنّه ليعجبنى من القرّاء كلّ طلق مضحاك، فأمّا من تلقاه بالبشر و يلقاك بالعبوس، كأنّه يمنّ عليك بعمله، فلا أكثر اللّه فى القرّاء مثله.
1) الشعر فى: سير أعلام النبلاء 8/ 364، طبقات الشافعية الكبرى 1/ 285، الورقة 15.
2) فى السير و الطبقات: «يصطاد».
3) فى السير و الطبقات و الورقة: أين رواياتك فيما مضى فى ترك أبواب السلاطين
4) سقط قوله: «كان ذا» من النسخ، و هو من الورقة، و مكانه فى السير و الطبقات: «ذا كذا».