كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)
198 و عن الحسن بن عيسى، قال: لمّا حضرت ابن المبارك الوفاة، قال لنصر مولاه:
اجعل رأسى على التّراب. قال: فبكى نصر، فقال له: ما يبكيك؟ قال: أذكر ما كنت فيه من النّعيم، و أنت هو تموت فقيرا غريبا. فقال له: اسكت، فإنّى سألت اللّه تبارك و تعالى أن يحيينى حياة الأغنياء، و أن يميتنى ميتة الفقراء. ثم قال: لقّنّى، و لا تعد علىّ إلاّ أن أتكلّم بكلام ثان.
و روى أنّه لمّا حضرته الوفاة، جعل رجل يلقّنه: قل لا إله إلاّ اللّه. فأكثر عليه، فقال: إنّك ليس تحسن، أخاف أن تؤذى بها رجلا مسلما بعدى، إذا لقّنتنى فقل:
لا إله إلاّ اللّه. ثمّ إن لم أحدث كلاما بعدها فدعنى، فإذا أحدثت كلاما بعدها، فلقّنّى حتى تكون آخر كلامى.
و عن أبى القاسم القشيرىّ، أنّه قال: قيل فتح عبد اللّه بن المبارك عينيه عند الوفاة، فضحك، و قال: لِمِثْلِ هاذاا فَلْيَعْمَلِ اَلْعاامِلُونَ 1.
و روى أن رؤى على قبر عبد اللّه بن المبارك مكتوب:
الموت بحر موجه غالب
تذهل فيه حيل السّابح
لا يصحب المرء إلى قبره
غير التقى و العمل الصّالح
و لمّا مات ابن المبارك، و بلغ موته الرّشيد، جلس للعزاء، و أمر الأعيان أن يعزّوه فيه، و عدّ ذلك من محاسن الرشيد.
و روى عن أبى حاتم الفربرىّ، أنّه كان يقول: رأيت عبد اللّه بن المبارك فى المنام، واقفا على باب الجنة، بيده مفتاح، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، ما يوقفك ههنا؟ قال:
هذا مفتاح باب الجنة، دفعه إلىّ محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و قال: حتى أزور الرّبّ سبحانه و تعالى، فكن أمينى فى السماء، كما كنت أمينى فى الأرض.
و فى «تاريخ العينىّ» عن على بن الحسن بن شقيق، أنّه قال: توجّه ابن المبارك من مرو إلى الكوفة للحجّ، فخرج ثم رجع بعد ذلك عن قريب، فسألته عن سبب رجوعه، فقال: خرجت إلى موقف الكوفة، و فى كمّى خمسمائة دينار، لأشترى بها جمالا، فرأيت امرأة تسارق الناس من بعيد، و تتقدّم إلى مزبلة هناك، عليها بطّة ميّتة، تريد أن تأخذها، فإذا نظر إليها أحد أمسكت، فغفل الناس عنها، فأخذتها و أنا أسارقها