كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)
199 النّظر، فتبعتها و قلت لها: تأكلين الميتة! فقالت: يا أبا عبد اللّه، ألا تسألنى؟ قال:
فوقع كلامها فى قلبى، فألححت عليها، فقالت: قد أحوجتنى إلى هتك سترى، و كشف سرّى، أنا امرأة شريفة، مات زوجى، و ترك أربعة/بنات يتامى، و ليس يسترنا إلاّ الحيطان، و لنا أربعة أيّام ما أكلنا شيئا، فخرجت أتسبّب لهنّ فى شاء، فلم أجد غير هذه البطّة، فأخذتها لأصلحها و أحملها إلى بناتى فيأكلنها. فقلت: افتحى حجرك. ففتحته، فصببت الدّنانير فيه، و نزع اللّه من قلبى شهوة الحجّ فى تلك السّنة، و عدت إلى بلدى، و أقمت حتى عاد الناس من الحجّ، فخرجت أتلقّاهم، فجعلت كلّ من أقول له: قبل اللّه حجّك. يقول: و أنت قبل اللّه حجّك. و أكثر علىّ الناس، و بتّ متعجّبا، فرأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فى المنام، فقال لى: يا ابن المبارك، لا تعجب، فإنّك أغثت ملهوفة من ولدى، فسألت اللّه أن يخلق على صورتك ملكا يحجّ عنك إلى يوم القيامة، و هو يحجّ عنك، فإن شئت أن تحجّ، و إن شئت أن لا تحجّ.
و روى عن محمد بن فضل بن عياض، أنّه قال: رأيت عبد اللّه بن المبارك فى المنام، فقلت: أىّ العمل، و فى رواية: أىّ الأعمال وجدت أفضل؟ قال: الأمر الذى كنت فيه. قلت: الرّباط و الجهاد؟ قال: نعم. قلت: فأىّ شاء صنع بك؟ و فى رواية:
صنع بك ربّك؟ قال: غفر لى مغفرة تتبعها مغفرة. و فى رواية: ما بعدها مغفرة، و كلّمتنى امرأة من أهل الجنة و امرأة من الحور العين.
و روى أنّ بعض الصّلحاء رأى فى منامه، كأنّ غمامة على السماء مكتوبا عليها سطر:
من أراد النّجاة، فعليه بكتب عبد اللّه بن المبارك.
و فى «تهذيب الأسماء و اللّغات» 1، للإمام النّووىّ، فى ترجمة ابن المبارك، و روينا عن عبثر 2 بن القاسم، قال: لمّا قدم هارون الرّشيد الرّقّة، أشرفت أمّ ولد له من قصر، فرأت الغبرة قد ارتفعت، و البغال قد تقطّعت، و انجفل الناس، فقالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من خراسان، يقال له ابن المبارك. قالت: هذا و اللّه الملك، لا ملك هارون الذى لا يجتمع له الناس إلاّ بالسّوط و الخشب.
قال عمّار بن الحسن يمدح ابن المبارك، رضى اللّه تعالى عنه 3:
1) تهذيب الأسماء و اللغات 1/ 1 / 286. و انظر: تاريخ بغداد 10/ 156، 157.
2) فى النسخ: «عمر».
3) تاريخ بغداد 10/ 163، تهذيب الأسماء و اللغات 1/ 1 / 285، 286، سير أعلام النبلاء 8/ 346.