كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)
207 الحنفيّة، أنّ غالب الخلفاء العبّاسية المتقدّمين كانوا يعتقدون مذهب الإمام الأعظم، و يأخذون بأكثر أقواله، و كان أكثر قضاتهم من العلماء الحنفيّة، و لمّا احتمل و احتمل، و كان ابن المعتزّ من محاسن الزمان، و أدباء الأوان، و ممّن انتهت إليه صناعة الشّعر، أحببنا أن نأخذ فى ذلك بالأحوط، و نجمّل كتابنا هذا بمحاسنه، التى حقّها أن تكتب بسواد الأبصار على بياض الخدود، فنقول و باللّه المستعان، و عليه التّكلان.
قال السيّد عبد الرحيم العبّاسىّ: هو أوّل من صنّف فى صنعة الشّعر، و صنع كتاب «البديع»، و هو أشعر بنى هاشم على الإطلاق، و أشعر الناس فى الأوصاف و التّشبيهات، و كان يقول: إذا قلت «كأنّ» و لم آت بعدها بالتّشبيه، ففضّ اللّه فاى.
حدّث جعفر بن قدامة، قال 1: كنت عند ابن المعتزّ يوما، و عنده شرّة 2، يعنى اسم محبوبته، و كان يحبّها و يهيم بها، فخرجت علينا من صدر البستان فى زمن الربيع، و عليها غلالة معصفرة، و فى يدها جنابى من باكورة باقلاّ، و الجنابى: لعبة للصّبيان، فقالت له: يا سيّدى، تلعب معى جنابى. فالتفت إلينا، و قال على بديهته، غير متوقّف و لا مفكّر 3:
فديت من يتمشّى فى معصفرة
عشيّة فسقانى ثم حيّانى
و قال تلعب جنّابى فقلت له
من جدّ بالوصل لم يلعب بهجران 4
و أمر، فغنّى فيه.
و حدّث جعفر أيضا، قال 5: كان لعبد اللّه بن المعتزّ غلام يحبّه، و كان يغنّى غناء صالحا، و كان يدعى بنشوان، فجدّر، و جزع عبد اللّه لذلك جزعا شديدا، ثم عوفى، و لم يؤثّر الجدرىّ فى وجهه أثرا قبيحا، فدخلت عليه ذات يوم، فقال: يا أبا القاسم قد عوفى فلان بعدك، و خرج أحسن ممّا كان، و قلت فيه بيتين، و غنّت هزار 6 فيهما
1) الأغانى 10/ 280، 281، و معاهد التنصيص 2/ 39.
2) فى الأغانى: «نشر». و فى المعاهد: «سرية». وانظر المعاهد أيضا 2/ 37.
3) البيتان فى ديوانه 1/ 97.
4) شدد «جنابى» للوزن.
5) الأغانى 10/ 281، و معاهد التنصيص 2/ 39.
6) فى النسخ و المعاهد: «زرياب». و التصحيح من: الأغانى.