كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)
219 و من نثره الجارى مجرى الحكم و الأمثال، قوله 1: من تجاوز الكفاف لم يغنه الإكثار. ربّما أورد الطمع و لم يصدر. من ارتحل الحرص أنضاه الطّلب. الحظّ يأتى من لا يأتيه. أشقى الناس أقربهم من السّلطان، كما أنّ أقرب الأشياء من النار أسرعه إلى الاحتراق. من شارك السّلطان فى عزّ الدنيا، شاركه فى ذلّ الآخرة. يكفيك للحاسد غمّه بسرورك.
و لم يزل، رحمه اللّه تعالى 2، فى طيب عيش و دعة، و أمن من عوادى الزّمان، إلى أن قامت الجند و أرباب الدّولة، و وثبوا على المقتدر، و خلعوه، و طلبوا أن يبايعوه بالخلافة، و ألحّوا عليه فى ذلك، فقال: بشرط أن لا يقتل بسببى مسلم، فقبلوا ذلك منه، و بايعوه، و لقّبوه المرتضى باللّه، و قيل: المنصف، و قيل: الغالب، و قيل:
الرّاضى.
و بعث إلى المقتدر يأمره بالتّحوّل إلى دار محمد بن طاهر، لكى ينتقل هو إلى دار الخلافة، فأجاب، و لكن [ما] بقى معه غير مؤنس الخادم، و مؤنس الخازن، و غريب 3 خاله، و جماعة 3 من الخدم، فباكر الحسين بن حمدان دار الخلافة فقاتلها، فاجتمع الخدم فدفعوه عنها، بعد أن حمل ما قدر عليه من المال، و سار إلى الموصل، ثم قال الذين عند المقتدر: يا قوم، نسلّم هذا الأمر، و لا نجرّب نفوسنا فى دفع ما نزل بنا! فنزلوا فى الزّوارق، و ألبسوا جماعة منهم السّلاح، و قصدوا المخرّم، و به عبد اللّه بن المعتزّ، فلما رآهم من حوله أوقع اللّه فى قلوبهم الرّعب، فانصرفوا منهزمين بلا حرب، و خرج ابن المعتزّ فركب فرسا، و معه وزيره محمد بن داود، و حاجبه يمن، و قد شهر سيفه و هو ينادى: معاشر العامّة، ادعوا لخليفتكم. و أشاروا إلى الجيش ليتبعوهم إلى سامرّا، ليثبتوا أمرهم، فلم يتبعهم أحد، فنزل ابن المعتزّ عن دابّته، و دخل دار ابن الجصّاص الجوهرىّ، و اختفى الوزير ابن داود، و القاضى 4 الحسن بن المثنّى 4، و نهبت دورهما، و وقع النّهب و القتل فى بغداذ، و قبض المقتدر على الأمراء و القضاة الذين خلعوه، و سلّمهم إلى مؤنس الخازن، فقتلهم، و استقام الأمر، فاستوزر ابن الفرات، ثم بعث جماعة، فكبسوا دار ابن الجصّاص، و أخذوا ابن المعتزّ و ابن الجصّاص، و حبس
1) معاهد التنصيص 2/ 45، 46، و بعضه فى: أشعار أولاد الخلفاء 287.
2) نقل المؤلف هذا و ما يليه عن: معاهد التنصيص 2/ 41، 43.
3 - 3) فى النسخ: «خال جماعة». و المثبت من: المعاهد.
4 - 4) فى النسخ: «أبو المثنى». و المثبت فى: المصادر. و انظر ما يأتى.