كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

229 و لمّا وقعت الحوطة على أملاك الناس فى أيّام الملك الظّاهر، و أخرج فتاوى الحنفيّة باستحقاقها بحكم أنّ دمشق فتحها عمر بن الخطّاب، رضى اللّه تعالى عنه عنوة، أراد السلطان من القاضى شمس الدين أن يحكم له فيها بمقتضى مذهبه، فقال للسّلطان:
هذه أملاك بأيدى أربابها، و لا يحلّ لمسلم أن يتعرّض لها، ثم نهض من المجلس مغضبا، فانحرف السلطان من ذلك انحرافا شديدا، ثم سكن، و صار بعد/ذلك يثنى على القاضى شمس الدين و يمدحه.
أقول: هكذا ينبغى أن تكون القضاة فى القيام مع الحقّ على الباطل، لا يخافون سطوة ظالم، و لا إقدام جاهل، لا تأخذهم فى اللّه لومة لائم، و لا يصدّهم عن الحقّ رهبة ظالم، لا كغالب قضاة زماننا الذين اتّخذوا الحكّام لهم آلهة، يعصون اللّه و يطعونهم، و يغضبون اللّه و يرضونهم، يحكمون بالهوى، و يتّبعون الأهواء، يدور الحقّ عندهم مع الرّشوة و الجاه، و لا يرهبون يَوْمَ لاا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَ اَلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّاهِ 1.
قال ابن كثير: كان ابن عطاء من العلماء الأخيار، كثير التّواضع، قليل الرّغبة فى الدنيا، روى عنه ابن جماعة. انتهى.
و لم يزل على القضاء إلى أن مات يوم الجمعة، تاسع جمادى الأولى، سنة ثلاث و سبعين و ستمائة، و دفن بسفح قاسيون، بالقرب من المدرسة المعظّميّة 2، رحمه اللّه تعالى.
قال النّويرىّ، فى «نهاية الأرب»: و لمّا مات، عزل قاضى القضاة زين الدين الزّواوىّ المالكىّ نفسه عن القضاء حال دفنه، فإنّه أخذ بيده من تراب القبر و حثاه عليه، و قال: و اللّه لا حكمت بعدك؛ فإنّ لك أربعين سنة تحكم، ثم هذه مآلك.
و عزل نفسه عن الحكم، و بقى نائبه القاضى جمال الدين يوسف الزّواوىّ يحكم على حاله، و فوّض قضاء الحنفيّة بعده للقاضى عبد الرحمن بن الصاحب كمال الدين عمر ابن العديم. و اللّه تعالى أعلم.
***

1090 - عبد اللّه بن محمد بن علىّ بن محمد الدّامغانىّ، أبو جعفر، ابن قاضى القضاة أبى عبد اللّه *

شهد عند والده، فقبل شهادته، و ولاّه أخوه قاضى القضاة أبو الحسن علىّ بن محمد

1) سورة الانفطار 19.
2) المدرسة المعظمية: بالصالحية بسفح قاسيون الغربى، جوار المدرسة العزيزية. الدارس 1/ 579.
*) ترجمته فى: الجواهر المضية، برقم 730، المنتظم 9/ 251.

الصفحة 229