كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)
236 و ولى أيضا قضاء الشّرقيّة فى أيّام الواثق، و لمّا وليها ظهرت عفّته و ديانته لأهل بغداذ، و كان فيه كبر شديد.
و كتب إليه المعتصم 1 فى أن يمتحن النّاس فى القول بخلق القرآن، و كان يضبط نفسه، فتقدّمت إليه/امرأة، فقالت: إن زوجى لا يقول بقول أمير المؤمنين فى القرآن، ففرّق بينى و بينه. فصاح عليها و طردها، فلمّا كان فى سنة سبع و ثلاثين فى جمادى عزله المتوكّل، و أمر أن يكشف عنه ليفضحه بسبب ما امتحن النّاس به فى القول بخلق القرآن، فكشف عنه، فما انكشف عليه أنّه أخذ حبّة واحدة.
و روى 1 أنّه لمّا تولّى قضاء الشّرقيّة كثر من يطالبه بفكّ الحجر، فدعا بالأمناء، فقال لهم: من كان فى يده منكم مال ليتيم فليشتر له مرّا 2 و زنبيلا يكون قبله، و ليدفع إليه ماله، فإن أتلفه عمل بالمرّ و الزّنبيل. 3
و ذكره ابن عساكر فى «تاريخ دمشق»، و قال: قرأت فى كتاب على بن الحسين ابن محمد الكاتب، حدّثنا محمد بن خلف، حدّثنا وكيع، قال: كان الخلنجىّ القاضى، و اسمه عبد اللّه بن محمد، ابن أخت علّويه المغنّى، و كان تيّاها صلفا، فتقلّد فى خلافة الأمين قضاء الشّرقيّة، فكان يجلس إلى أسطوانة من أساطين المسجد، فيستند إليها بجميع جسده و لا يتحرّك، فإذا تقدّم إليه الخصمان، أقبل عليهما بجميع جسده، و ترك الاستناد، حتى يفصل بينهما، ثم يعود إلى حاله، فعمد بعض المجّان إلى رقعة من الرّقاع التى يكتب فيها الدّعاوى، و ألصقها فى موضع دبيته 4، و طلاها بدبق 5، و جاء الخلنجىّ فجلس كما كان يجلس، فالتصقت دبيته بالدّبق، و تمكّن منها، فلما تقدّم إليه الخصوم، و أقبل عليهم بجميع جسده كما كان يفعل، انكشف رأسه، و بقيت الدبية فى موضعها مصلوبة، و قام الخلنجىّ مغضبا، و علم أنّها حيلة وقعت عليه، فغطّى رأسه بطيلسانه، و قام فانصرف و تركها مكانها، حتى جاء بعض أعوانه فأخذها.
و قال بعض شعراء ذلك العصر فيه:
1) القصة فى: تاريخ بغداد 10/ 74.
2) المر: الحبل و المسحاة.
3) الزنبيل: الجراب، و قيل: الوعاء يحمل فيه.
4) كذا، و لم أعرفه.
5) الدبق: غراء يصاد به الطير.