كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

237

إنّ الخلنجىّ من تتايهه
أثقل باد لنا بطلعته

ماتيه ذى نخوة مناسبة
بين أخاوينه و قصعته

يصالح الخصم من يخاصمه
خوفا من الجور فى قضيّته

قال: و شهرت الأبيات و القصّة ببغداذ، و عمل علّويه حكاية أعطاها الرّفّايين و المخنّثين، فأخرجوه فيها، و كان علّويه يعاديه لمنازعة كانت بينهما، ففضحه، و استعفى الخلنجىّ من القضاء ببغداذ، و سأل أن يولّى بعض الكور البعيدة، فولّى جند دمشق أو حمص، فلما ولّى المأمون الخلافة، غنّاه علّويه بشعر الخلنجىّ، و هو هذا 1:

برئت من الإسلام إن كان ذا الذى
أتاك به الواشون عنّى كما قالوا

و لكنّهم لمّا رأوك غريّة
بهجرى تواصوا بالنّميمة و احتالوا

فقد صرت أذنا للوشاة سميعة
ينالون من عرضى و لو شئت ما نالوا

فقال له المأمون: من يقول هذا الشعر؟ قال: قاضى دمشق. فأمر المأمون بإحضاره، و كتب إلى صاحب دمشق بإشخاصه، فأشخص، و جلس المأمون، و أحضر علّويه، و دعا بالقاضى، فقال: أنشدنى قولك:

*برئت من الإسلام إن كان ذا الذى*

فقال: يا أمير المؤمنين، هذه الأبيات قلتها من منذ أربعين سنة و أنا صبىّ، و و الّذى أكرمك بالخلافة، و ورّثك ميراث النّبوّة، ما قلت شعرا من أكثر من عشرين سنة، إلاّ فى زهد، أو عتاب/صديق. فقال له: اجلس. فجلس، فناوله قدح نبيذ كان فى يده، فقال له: اشرب. فأرعد و بكى، و أخذ القدح من يده، و قال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما غيّرت الماء بشاء قطّ ممّا يختلف فى تحليله. فقال: لعلّك تريد نبيذ التّمر و الزّبيب؟ فقال: لا و اللّه يا أمير المؤمنين، ما أعرف شيئا منهما، فأخذ القدح من يده، و قال:
أما و اللّه لو شربت شيئا من هذا لضربت عنقك، و لكن ظننت أنّك صادق فى قولك كلّه، و لكن لا يتولّى القضاء أبدا رجل بدأ فى قوله بالبراءة من الإسلام، انصرف إلى منزلك. و أمر علّويه فغيّر هذه الكلمة، و جعل مكانها: حرمت منائى منك. و رويت هذه القصة لغير الخلنجىّ. و اللّه تعالى أعلم بحقيقة الحال.
***

1) انظر القصة فى: تاريخ الطبرى 8/ 656، 657.

الصفحة 237