كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

243 و حديثه حتى أضحكه، و ضحك إليه، فلما همّ بالحركة، دعا بدابّته، و أمر غلمانه، فسعوا بين يديه، ثم سأل عنّى، فجئت، فقال: خذ علىّ ما بقى من جزئى. فقلت:
أيّها الأمير، أطال اللّه بقاك، لقد خفت أن تشكونى إلى جعفر بن يحيى، و لو فعلت ذلك لتنكّر لى. فقال: أترانى يا أبا محمد كنت أطلع الرّشيد على هذه، فكيف بجعفر ابن يحيى حتى أطلعه؟ إنّى أحتاج إلى أدب، إذا يغفر اللّه لك بعد ظنّك، و وجيب قلبك، خذ فى أمرك، فقد خطر ببالك ما لا تراه أبدا، و لو عدت فى كلّ يوم مائة مرّة.
و كانت ولايته الخلافة فى المحرّم، لخمس بقين منه، بعد مقتل أخيه، سنة ثمان و تسعين و مائة، فاستمرّ فى الخلافة عشرين سنة و خمسة أشهر.
قال ابن كثير، فى «تاريخه» 1: و قد بايع فى سنة إحدى و مائتين بولاية العهد من بعده لعلىّ الرّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصّادق بن محمد الباقر بن علىّ زين العابدين ابن الحسين الشّهيد بن علىّ بن أبى طالب، رضى اللّه تعالى عنهم أجمعين، و خلع السّواد، و لبس الخضرة، كما قدّمنا، فأعظم ذلك العبّاسيّون من البغاددة و غيرهم، و خلعوا المأمون، و ولّوا عليهم إبراهيم بن المهدىّ، ثم ظفر بهم المأمون، و استقام أمره فى الخلافة، و ذلك بعد موت علىّ الرّضا بطوس، و عفا عن عمه إبراهيم بن المهدىّ.
قال: و روى الخطيب البغداذىّ 2، عن القاسم بن محمد بن عبّاد، قال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء غير عثمان بن عفان، و المأمون، و هذا غريب جدّا. قالوا: و كان يتلو فى شهر/رمضان ثلاثا و ثلاثين ختمة.
و جلس يوما لإملاء الحديث، فاجتمع حوله القاضى يحيى بن أكتم، و جماعة، فأملى عليهم من حفظه ثلاثين حديثا.
و كانت له بصيرة بعلوم متعدّدة؛ من فقه، و طبّ، و شعر، و فرائض، و كلام، و نحو، و عربيّة، و غريب، و علوم النّجوم، و إليه ينسب الزّيج المأمونىّ.
*و روى ابن عساكر 3، أنّ المأمون جلس يوما للناس، و فى مجلسه العلماء و الأمراء، فجاءت امرأة تتظلّم إليه، فذكرت أنّ أخاها توفّى، و ترك ستّمائة دينار، فلم يحصل لها سوى دينار واحد. فقال لها على البديهة: قد وصل إليك حقّك؛ لأنّ

1) البداية و النهاية 10/ 275. و انظره فى: 10/ 247.
2) تاريخ بغداد 10/ 190.
3) نقله ابن كثير، فى البداية و النهاية 10/ 275، 276.

الصفحة 243