كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

246 و كان 1 يقصد العدل، و يتولّى بنفسه بين الناس الفصل، جاءته امرأة ضعيفة، فتظلّمت من العبّاس، و هو واقف على رأسه، فأمر الحاجب فأخذ بيده، فأجلسه معها بين يديه، فادّعت عليه أنّه أخذ ضيعة لها، و استحوذ عليها، فتناظرا ساعة، فجعل صوتها يعلو على صوته، فزجرها بعض الحاضرين، فقال له المأمون: اسكت فإنّ الحقّ أنطقها، و الباطل أسكته. ثم حكم لها بحقّها، و ألزم لها ولده بعشرة آلاف درهم.
و كتب إلى بعض الأمراء 1: ليس من المروءة أن يكون آنيتك من ذهب و فضّة، و غريمك عار، و جارك طاو.
و وقف رجل بين يديه، فقال له 2: و اللّه لأقتلنّك. فقال: يا أمير المؤمنين، تأنّ علىّ، فإنّ الرّفق نصف العفو. فقال: ويحك، كيف و قد حلفت لأقتلنّك؟ فقال:
يا أمير المؤمنين، لأن تلقى اللّه حانثا، خير من أن تلقاه قاتلا. فعفا عنه.
و كان يقول 1: ليت أهل الجرائم يعرفون مذهبى فى العفو، حتى يذهب الخوف عنهم، و يدخل السّرور على قلوبهم.
و حضر 3 عنده هدبة بن خالد يوما، فتغدّى عنده، فلمّا رفعت المائدة، جعل هدبة يلتقط ما تناثر منها، فقال له المأمون: أما شبعت يا شيخ؟ فقال: بلى، و لكن حدّثنى حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال: «من أكل ما 4 تحت مائدته أمن من الفقر» 5. قال: فأمر له المأمون بألف دينار.
و روى ابن عساكر 6، أنّ المأمون قال يوما لمحمد بن عبّاد بن المهلّب: يا أبا عبد اللّه، قد أعطيتك ألف ألف و ألف ألف و ألف ألف، و إنّ عليك دينا. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ منع الموجود، سوء ظنّ بالمعبود. فقال: أحسنت يا أبا عبد اللّه، أعطوه ألف ألف و ألف ألف و ألف ألف.

1) البداية و النهاية 10/ 277.
2) تاريخ بغداد 10/ 191، و البداية و النهاية 10/ 277.
3) البداية و النهاية 10/ 278.
4) فى كنز العمال: «مما».
5) كنز العمال 15/ 252. و ذكر أنه عند الخطيب فى المؤتلف.
6) نقله ابن كثير، فى البداية و النهاية 10/ 278.

الصفحة 246