كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)
249
و لم يقل ذاك إلاّ كلّ مبتدع
على الإله و عند اللّه زنديق
أصيح يا قوم عقلا من خليفتكم
يمسى و يصبح فى الأغلال موثوق 1
و قد سأل بشر من المأمون أن يطلب قائل هذه الأبيات، فيؤدّبه على ذلك، فقال له: ويحك، لو كان فقيها لأدّبته، و لكنّه شاعر، فلست أعرض له.
و لمّا تجهّز المأمون للغزو 2، فى آخر سفرة سافرها إلى طرسوس، استدعى بجارية كان يحبّها، و قد اشتراها فى آخر عمره، فضمّها إليه، فبكت الجارية، و قالت: قتلتنى يا أمير المؤمنين بسفرك هذا. ثم أنشأت تقول:
سأدعو دعوة المضطرّ ربّا
يثيب على الدّعاء و يستجيب
لعلّ اللّه أن يكفيك حربا
و يجمعنا كما تهوى القلوب
فضمّها إليه، ثم أنشأ متمثّلا يقول:
فيا حسنها إذ يغسل الدّمع كحلها
و إذ هى تذرى الدّمع منها الأنامل
صبيحة قالت فى العتاب قتلتنى
و قتلى بما قالت هناك تحاول
ثم أمر الخادم 3: مروا بالإحسان إليها، و الاحتفاظ عليها حتى يرجع، ثم قال: نحن كما قال الأخطل 4:
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم
دون النّساء و لو باتت بأطهار
ثم ودّعها و سافر 5، فمرضت الجارية فى غيبته، و مات المأمون أيضا.
و قيل: إنّه لمّا مات جاء نعيّه إليها، تنفّست الصّعداء، و حضرها الموت، و أنشأت تقول، و هى فى السّياق:
إنّ الزّمان سقانا من مرارته
بعد الحلاوة أنفاسا فأروانا
أبدى لنا تارة منه فأضحكنا
ثم انثنى تارة أخرى فأبكانا
1) فى البداية: «يا قوم أصبح عقلا».
2) البداية و النهاية 10/ 279، 280.
3) فى البداية: «مسرور الخادم».
4) شرح ديوان الأخطل 84.
5) فى البداية: «و سار».