كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)
250
إنّا إلى اللّه فيما لا يزال لنا
من القضاء و من تلوين دنيانا
دنيا نراها ترينا من تصرّمها
ما لا يدوم مصافاة و أحزانا
و نحن فيها كأنّا لا يزايلنا
عيش فأحياؤنا يبكون موتانا
و روى الخطيب فى «تاريخه» 1: أن هارون الرّشيد كان له جارية غلاميّة، تصبّ على يده، و تقف على رأسه، و كان المأمون يعجب بها و هو أمرد، فبينا هى تصبّ على هارون من إبريق معها، فأشار إليها المأمون بقبلة، فزبرته بحاجبها، و أبطأت عن الصّبّ، فنظر إليها هارون، فقال: ما هذا؟ فتلكّأت عليه-ضعى ما معك، علىّ كذا إن لم تخبرينى لأقتلنّك. فقالت: أشار إلىّ عبد اللّه بقبلة، فالتفت إليه، و إذا هو قد نزل به من الحياء و الرّعب/ما رحمه منه، فاعتنقه، و قال: أتحبّها؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين. فقال: قم فاخل بها فى تلك القبّة. فقام ففعل، فقال له هارون: قل فى هذا شعرا. فأنشأ يقول:
ظبى كنيت بطرفى
عن الضّمير إليه
قبّلته من بعيد
فاعتلّ من شفتيه
و ردّ أخبث ردّ
بالكسر من حاجبيه
فما برحت مكانى
حتى قدرت عليه
و عن ابن أبى دواد، أنّه قال 2: دخل رجل من الخوارج على المأمون، فقال: ما حملك على خلافنا؟ قال: آية فى كتاب اللّه تعالى. قال: و ما هى؟ قال: قوله تعالى وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِماا أَنْزَلَ اَللّاهُ فَأُولائِكَ هُمُ اَلْكاافِرُونَ 3. فقال له المأمون: ألك علم بأنّها منزّلة؟ قال: نعم. قال: و ما دليلك؟ قال: إجماع الأمّة. قال: فكما رضيت بإجماعهم فى التّنزيل، فارض بإجماعهم فى التّأويل. قال: صدقت يا أمير المؤمنين.
و كان المأمون يقول 2: غلبة الحجّة أحبّ إلىّ من غلبة القدرة؛ لأنّ غلبة القدرة تزول بزوالها، و غلبة الحجّة لا يزيلها شاء.
و من مكارم أخلاقه 4، ما حكاه يحيى بن أكتم، قال: بتّ ليلة عند المأمون،
1) تاريخ بغداد 10/ 185.
2) تاريخ بغداد 10/ 186.
3) سورة المائدة: 44.
4) تاريخ بغداد 10/ 187.