كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

251 فعطشت فى جوف الليل، فقمت لأشرب ماء، فرآنى المأمون، فقال: مالك ليس تنام يا يحيى؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنا و اللّه عطشان. قال: ارجع إلى موضعك. فقام و اللّه إلى البرّادة، فجاءنى بكوز ماء، و قام على رأسى، فقال: اشرب يا يحيى. فقلت:
يا أمير المؤمنين، هلاّ وصيف أو وصيفة يقوم بذلك؟ فقال: إنّهم نيام. قلت: فأنا كنت أقوم للشّرب. فقال لى: لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه. ثم قال: يا يحيى.
فقلت: لبّيك يا أمير المؤمنين. قال: ألا أحدّثك؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين. قال:
حدّثنى الرشيد، قال: حدّثنى المهدىّ، قال: حدّثنى المنصور، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: حدّثنى جرير بن عبد اللّه، قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول: «سيّد القوم خادمهم» 1.
و عن يحيى أيضا 2: ما رأيت أكرم من المأمون، بتّ عنده ليلة، فعطش، و قد نمنا، فكره أن يصيح بالغلمان، فانتبه و كنت منتبها، فرأيته قد قام يمشى قليلا قليلا إلى البرّادة، و بينه و بينها بعد، حتى شرب و رجع. قال يحيى: ثم بتّ عنده و نحن بالشام، و ما معى أحد، فلم يجئنى 3 النوم، فأخذ المأمون سعال، فرأيته يسدّ فاه بكمّ قميصه كى لا أنتبه، ثم حملنى آخر الليل النّوم، و كان له وقت يقوم فيه يستاك، فكره أن ينبّهنى، فلمّا ضاق الوقت عليه تحرّكت، فقال: اللّه أكبر، يا غلمان، نعل أبى محمد.
و قال يحيى أيضا 4، كنت أمشى يوما مع المأمون فى بستان موسى، فى ميدان البستان، و الشمس علىّ، و هو فى الظّلّ، فلمّا رجعنا قال لى: كن الآن أنت فى الظّلّ.
فأبيت عليه، فقال: أوّل العدل أن يعدل الملك فى بطانته، ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ إلى الطبقة السّفلى.
و عن عبد اللّه بن محمود المروزىّ، قال 4: سمعت يحيى بن أكتم القاضى يقول:
ما رأيت أكمل آلة من المأمون. و جعل يحدّث بأشياء/استحسنها من كان فى مجلسه، ثم قال: كنت عنده ليلة أذاكره، ثم نام و انتبه، فقال: يا يحيى، انظر أيش تحت رجلى.
فنظرت فلم أر شيئا، فقال: شمعة. فتبادر الفرّاشون، فقال: انظروا. فنظروا، فإذا

1) أخرجه الخطيب، فى الموضع السابق. و أشار إلى هذا صاحب كنز العمال 6/ 710.
2) تاريخ بغداد 10/ 187، 188.
3) فى تاريخ بغداد: «يحملنى».
4) تاريخ بغداد 10/ 188.

الصفحة 251