كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

270 فأدّب، فمات فى الحال، فكتب إلى المعتضد من المجلس: اعلم يا أمير المؤمنين، أطال اللّه بقاك، أنّ خصمان حضرانى، فأجرى أحدهما ما أوجب عليه الأدب عندى، فأمرت بتأديبه، فأدّب فمات، فإن رأى أمير المؤمنين، أطال اللّه بقاءه، أن يأمر بحمل الدّية لأحملها إلى ورثته فعل. قال: فعاد الجواب إليه، بأنّا قد أمرنا بحمل الدّية إليك.
و حمل إليه عشرة آلاف درهم، فأحضر ورثة/المتوفّى، و دفعها إليهم.
قلت: إن صحّ هذا النّقل عن أبى خازم، فهو رأى انفرد به عن أبى حنيفة، رضى اللّه تعالى عنه، فإنّ مذهبه أنّ من عزّره الإمام، فدمه هدر؛ لأنّه فعل ما فعل بأمر الشّرع، و فعل المأمور لا يتقيّد بشرط السّلامة، كالفصّاد، و البزّاغ 1. و هو قول مالك، و أحمد، رضى اللّه تعالى عنهما. و قال الشّافعىّ، رضى اللّه تعالى عنه: تجب الدّية فى بيت المال؛ لأنّه نفع عمله يرجع إلى العامّة، فيكون الغرم فى ماله. و أجاب أئمّتنا، رحمهم اللّه تعالى، بأنّه لمّا استوفى حقّ اللّه بأمره، صار كأنّ اللّه تعالى أماته من غير واسطة، فلا يجب الضّمان.
و حدّث مكرّم بن بكر 2، و كان من فضلاء الرجال و علمائهم، قال: كنت فى مجلس أبى خازم، فتقدّم إليه رجل شيخ، و معه غلام حدث، فادّعى الشيخ عليه ألف دينار عينا دينا، فقال له: ما تقول؟ فأقرّ، فقال للشيخ: ما تشاء؟ قال: حبسه.
فقال للغلام: قد سمعت، فهل لك أن تنقد البعض، و نسأله إنظارك؟ فقال: لا.
فقال: الشيخ: إن رأى القاضى أن يحبسه. قال: فتفرّس أبو خازم فيهما ساعة، ثم قال: تلازما إلى أن أنظر بينكما فى مجلس آخر. قال: فقلت لأبى خازم، و كانت بيننا أنسة 3، لم أخّر القاضى حبسه؟ فقال: ويحك، إنى أعرف فى الأحوال من الخصومة وجه المحقّ من المبطل، و قد صارت لى بذلك دربة لا تكاد تخطئ، و قد وقع لى أنّ سماحة هذا بالإقرار هى عن بليّة، و أمر يبعد عن الحقّ، و ليس فى تلازمهما بطلان، و لعلّه ينكشف لى من أمرهما ما أكون معه على وثيقة ممّا أحكم به بينهما، أما رأيت قلّة تعاصيهما 4 فى المناظرة، و قلّة اختلافهما، و سكون طباعهما، مع عظم

1) بزغ الحاجم و البيطار: شرط.
2) تاريخ بغداد 11/ 65، 66.
3) الأنسة: ضد الوحشة.
4) فى النسخ: «تقاضيهما».

الصفحة 270