كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

271 المال، و ما جرت عادة الأحداث بفرط التّورّع، حتى يقرّ مثل هذا طوعا عجلا بمثل هذا المال. قال: فبينا نحن كذلك نتحدّث، إذ استؤذن على أبى خازم لبعض وجوه الكرخ من مياسير التّجّار، فأذن له، فدخل فسلّم، و سبّب لكلامه فأحسن، ثم قال:
قد بليت بابن لى حدث يتقاين 1، و يتلف كلّ ما يظفر به من مالى فى القيان عند فلان المقيّن، فإذا منعته مالى احتال بحيل تضطرّنى إلى التزام غرم له، و إن عددت ذلك طال، و أقربه أنّه قد نصب المقيّن اليوم يطالبه بألف دينار عينا دينا حالاّ، و بلغنى أنّه تقدّم إلى القاضى ليقرّ له بها فيحبس، و أقع مع أمّه فيما ينغّص عيشى، إلى أن أزن ذلك عنه للمقيّن، فإذا قبضه المقيّن حاسبه به من الجذور 2، و لمّا سمعت بذلك، بادرت إلى القاضى لأشرح له الأمر، فيداويه بما يشكره اللّه له، فجئت فوجدتهما على الباب. قال: فحين سمع أبو خازم ذلك تبسّم، و قال لى: كيف رأيت؟ قلت: بهذا و مثله فضّل اللّه القاضى. و جعلت أدعو له، فقال: علىّ بالغلام و الشيخ. فأرهب أبو خازم الشيخ، و وعظ الغلام، قال: فأقرّ الشيخ بأنّ الصّورة كما بلغ القاضى، و أنّه لا شاء له عليه، و أخذ الرجل بيد ابنه و انصرفوا.
و من شعر أبى خازم فى مملوكة له 3:

أذلّ فأكرم به من مذلّ
و من شادن لدمى مستحلّ 4

إذا ما تعزّز قابلته
بذلّ و ذلك جهد المقلّ

/و أسلمت خدّى له خاضعا
و لو لا ملاحته لم أذلّ

و عن أبى عبد اللّه الصّيمرىّ، قال: حكى أنّ عبيد اللّه بن سليمان الوزير وجّه بأبى إسحاق الزّجّاج إلى أبى خازم القاضى، و أبى عمر محمد بن يوسف، يسألهما فى رجل محبوس بدين ثابت عندهما، فبدأ أبو إسحاق بأبى خازم، فجاء إليه، و قد علا النهار، و دخل داره، فلم يمكّنه البوّاب من الدّخول، و قال: لو جاء الوزير السّاعة لم يستأذن عليه. فانصرف أبو إسحاق و قعد فى المسجد مغتاظا إلى وقت العصر، فقال له البوّاب:
القاضى قد جلس، فدخل الزّجّاج عليه، فلم يقبل عليه أبو خازم الإقبال الذى اعتقده

1) يتقاين: يلهو مع القيان أو بهن. و القينة: الجارية المغنية.
2) أى من أصل ما عليه.
3) الأبيات فى تاريخ بغداد 11/ 67، و الأولان فى الجواهر المضية 2/ 368.
4) فى الجواهر: «و من طالب لدمى».

الصفحة 271