كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

300 قلت: هذه الأبيات الثّلاثة، ضمّنها ابن فهد مع تغيير يسير، ثلاثة أعجاز من مقطوع، قاله المنازىّ 1 الشاعر المشهور، يصف واديا كثير الأشجار، طيّب التّربة، حسن المنظر، يقال له وادى بزاعة 2، من نواحى حلب، و هو:

و قانا لفحة الرّمضاء واد
سقاه مضاعف الغيث العميم

نزلنا دوحه فحنا علينا
حنوّ المرضعات على الفطيم

و أرشفنا على ظمأ زلالا
ألذّ من المدامة للنّديم

يراعى الشمس أنّى واجهتنا
فيحجبها و يأذن للنّسيم

يروع حصاه حالية العذارى
فتلمس جانب العقد النّظيم

و للمنازىّ أيضا مقطوع غير هذا فى غاية الحسن، من قبيل المطرب و المرقّص، لا بأس بإيراده هنا عند أخيه، و لم يشتهر للمنازىّ غير هذين المقطوعين، و له «ديوان شعر»، تطلّبه القاضى الفاضل من أقاصى البلاد و أدانيها، فلم يظفر به 3، و المقطوع الثانى هو قوله 4:

إذا صدح الحمام لنا بسجع
و اصغى نحوه و طب تلاحى 5

شجى قلب الخلىّ فقيل غنّى
و برّح بالشّجىّ فقيل ناحا

و كم للشّوق فى أحشاء صبّ
إذا اندملت أجدّ له جراحا

ضعيف الصّبر عنك و إن تناءى
و سكران الفؤاد و إن تصاحى

كذاك بنو الهوى سكرى صحاة
كأحداق الظّبى مرضى صحاحا

و العذر فى إيراد هذين المقطوعين بتمامهما واضح بيّن، و هو قلّة وجود مثلهما رقّة، و لطافة، و انسجاما، و حسن سبك، خصوصا بعد حصول المناسبة، و قولهم: الشاء بالشاء يذكر. و يكفى لنا فى مدح هذين المقطوعين حجّة شهادة أبى العلاء المعرّىّ، إمام الفنّ، و قائد زمام البلاغة، و فارس ميدان الفصاحة، و ذلك فيما روى من أنّ المنازىّ، قدم يوما

1) أبو نصر أحمد بن يوسف المنازى، شاعر وزر لأحمد بن مروان، صاحب ميافارقين، توفى سنة سبع و ثلاثين و أربعمائة. معجم البلدان 4/ 648، وفيات الأعيان 1/ 143 - 145.
2) ذكر ياقوت أنه سمع من أهل حلب من يقوله بالضم و الكسر، و منهم من يقول: بزاعى. بالقصر، و هى بلدة من أعمال حلب، فى وادى بطنان، بين منبج و حلب. معجم البلدان 1/ 603.
3) الأبيات فى: وفيات الأعيان 1/ 143، 144، نفح الطيب 4/ 288، طراز المجالس 4، معاهد التنصيص 1/ 248. و تنسب الأبيات إلى حمدة أو حمدونة بنت زياد المؤدب. انظر: نفح الطيب.
4) ذكر هذا ابن خلكان، فى وفيات الأعيان 1/ 144.
5) الوطب: سقاء اللبن.

الصفحة 300