كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

45 و عن أحمد: ما رأيت أعلم بالسّنن منه.
و عن ابن مهدى عند سفيان بن عيينة بالمعرفة بالقرآن و تفسير الحديث، ما لم يكن عند الثّورىّ.
قال الذّهبىّ: اتّفقت الأئمة على الاحتجاج بابن عيينة؛ لحفظه و أمانته.
و قد حجّ ستين حجّة، و كان مدلّسا، لكن عن الثّقات.
مات فى جمادى الآخرة، سنة ثمان و تسعين و مائة. رحمه اللّه تعالى.
و عن سفيان، أنّه كان يقول: أوّل من أقعدنى للحديث أبو حنيفة، رضى اللّه تعالى عنه.
و فى رواية: دخلت الكوفة و لم يتمّ لى عشرون سنة، فقال أبو حنيفة لأصحابه، و لأهل الكوفة: جاءكم حافظ علم عمرو بن دينار. فجاء الناس يسألونى عن عمرو ابن دينار، فأوّل من صيّرنى محدّثا أبو حنيفة.
*و عن خالد بن يحيى البلخىّ، قال: كنت عند سفيان بن عيينة، فجاءه رجل فسأله عن مسألة، فقال: إنّى بعت متاعا إلى الموسم، و أنا أريد أن أخرج، فيقول لى الرجل: ضع عنى و أعجّل لك مالك. فقال سفيان: قال الفقيه أبو حنيفة: إذا بعت بالدراهم فخذ الدّنانير، و إذا بعت بالدنانير فخذ الدراهم. انتهى.
قلت: هكذا كان رأى سفيان فى أبى حنيفة، و اعتقاده فيه، و أخذه بقوله، و فتواه بمذهبه/، و لا يلتفت إلى ما قاله الخطيب فى «تاريخه»، و نقله بالأسانيد الملفّقة عن سفيان فى حقّ الإمام، فإنّ سفيان كان أجلّ قدرا من أن يفتى الناس بقول إمام لا يعتقده، و على تقدير أن يكون وقع منه شاء من ذلك، فإمّا أن يكون رجع عنه لمّا تبيّن له الحقّ، و إمّا أن يحمل على ما يقع مثله بين الأقران، و لا يعمل به.
و كان سفيان من الذين يقولون الحقّ، و يعملون به، و ينصحون الملوك، و لا تأخذهم فى اللّه لومة لائم. قال أبو حيّان التّوحيدىّ، فى كتابه «البصائر و الذّخائر»: دخل سفيان بن عيينة على الرشيد، و هو يأكل فى صحفة بملعقة، فقال: يا أمير المؤمنين، حدّثنى عبد اللّه بن زيد عن جدّك ابن عباس، رضى اللّه عنهما، فى قوله عزّ و جلّ:

وَ لَقَدْ كَرَّمْناا بَنِي آدَمَ

1

قال: جعلنا لهم أيديا يأكلون بها. فكسر الملعقة.

1) سورة الإسراء 70.

الصفحة 45