كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

49 اشتغل، و تفقّه، و مهر، وفاق الأقران، و أفتى، و درّس.
و صنّف التصانيف المفيدة فى المذهب.
و ولى قضاء الدّيار المصرية، لمّا جدّدت القضاة الثلاثة بها، سنة ثلاث و ستين و ستمائة، و كان جلوسهم بجامع عمرو بن العاص، و عمل الشيخ شمس الدين البوصيرىّ فى ذلك أبياتا، و هى هذه:

غدا جامع ابن العاص كهف أئمّة
فلله كهف للأئمة جامع

تفرّقت الآراء و الدّين واحد
و كلّ إلى رأى من الحقّ راجع

فهذا اختلاف جرّ للناس راحة
كما اختلفت فى الرّاحتين الأصابع

و اختصّ الصّدر سليمان بالملك الظّاهر، فكانت له المنزلة العليّة عنده، و كان لا يفارقه حيث سافر فى البلاد، و حضر معه جميع فتوحاته، و حجّ معه، ثم عاد إلى دمشق، و درّس بالظّاهريّة، و اختار المقام بدمشق، و استعفى من قضاء الدّيار المصريّة، فأعفى، /و ولى قضاء الشام بعد موت القاضى مجد الدّين ابن العديم، سنة سبع و سبعين و ستمائة، و باشر ذلك فى جمادى الأولى منها. قاله فى «الرّوض التّامّ».
قال: و له نظم حسن، فمنه قوله، و قد زوّج الملك المعظّم مملوكا له بجاريته:

يا صاحبىّ قفا لى و انظرا عجبا
أتى به الدهر فينا من عجائبه

البدر أصبح فوق الشمس منزلة
و ما العلوّ عليها من مراتبه

أضحى يماثلها حسنا و صار لها
كفؤا و سار إليها فى مواكبه

فأشكل الفرق لو لا و شى نمنمة
بصدغه و اخضرار فوق شاربه

و كان كثير الولع بعمامته و ثيابه و جسده، كثير الالتفات و العبث فى صلاته، عفا اللّه عنه.
و استمرّ على القضاء إلى أن توفّى، ليلة الجمعة، سادس شعبان، من السنة المذكورة، و هى سنة سبع و سبعين و ستمائة، و دفن من الغد، بعد صلاة الجمعة، بتربته بسفح قاسيون، عن ثلاث و ثمانين سنة، و لم يخلّف بعده مثله.
و ذكره السّخاوىّ، فى «ذيله على رفع الإصر»، فقال: مولده بأذرعات، سنة خمس و تسعين و خمسمائة. تفقّه بالشيخ جمال الدين الحصيرىّ، و غيره. و برع فى الفقه، و أفتى و صنّف، و سمع الحديث و أسمع، و قدم القاهرة، و درّس بالصّالحيّة النّجميّة، ثم عاد إلى دمشق، و ولى قضاء الحنفيّة بمصر فى دولة الظّاهر بيبرس، حين (الطبقات السنية 4/ 4)

الصفحة 49