كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)
70 و عن عمر بن الهيّاج، قال: كنت فى صحابة شريك، فأتيته يوما، فخرج إلىّ فى فرو و ليس تحته شاء و عليه كساء، فقلت له: قد أصبحت راغبا عن مجلس الحكم.
فقال: غسلت أمس ثيابى، فلم تجفّ، و أنا منتظر جفافها، اجلس. قال: فجلست نتذاكر باب العبد يتزوّج بغير إذن مولاه ما تقول فيه، و كانت الخيزران قد وجّهت على الطّراز رجلا نصرانيّا، و كتبت إلى موسى بن عيسى: لا تعص له أمرا. فكان مطاعا بالكوفة، و إذا بالنّصرانىّ قد خرج من زقاق و بين يديه أعوانه، و عليه جبّة خزّ و طيلسان خزّ، و هو على برذون فاره بين يديه رجل مكتوف، و هو يصيح: وا غوثاه، أنا رجل مسلم، أنا باللّه و بالقاضى. فصاح شريك بالنّصرانىّ: دعه. فنزل، و جاء فجلس إلى شريك، فقال شريك للمسلم: ما الذى بك؟ فقال أنا رجل أعمل الوشى، و كراء مثلى فى الشهر مائة درهم، أخذنى هذا فحبسنى أربعة أشهر فى طراز، و قد ضاع عيالى، و لم يعطنى شيئا، و طلبت اليوم أجرتى منه، فمدّنى و ضربنى. و كشف عن ظهره، فإذا فيه آثار السّياط، فقال شريك للنّصرانىّ: قم فاجلس مع خصمك. فقال:
يا أبا عبد اللّه، أصلحك اللّه، أنا خادم السّيّدة، /مر به إلى الحبس. فقال له: قم ويلك، فاجلس مع خصمك. فقام، فجلس معه، فقال شريك: ما هذه الآثار التى فى ظهره؟ فقال: أنا ضربته بيدى. فألقى شريك كساءه، و دخل داره، فأخرج سوطا زنديّا، ثمّ ضرب بيده إلى مجامع ثوب النّصرانىّ، فألقاه، ثم جعل يضربه، و يقول:
و اللّه لا ضربت بعدها مسلما. فهمّ أعوانه أن يخلّصوه، فقال شريك: من ههنا من صبيان الحىّ، خذوا هؤلاء إلى الحبس. فهربوا و النصرانىّ يبكى و يعصر عينيه، و السّوط يأخذه، و يقول له: يا ملعون. و النصرانىّ يقول: ستعلم. ثم ألقى السّوط من يده فى الدّهليز، و قال: يا أبا حفص، خذ فيما كنّا فيه، ما تقول فى العبد يتزوّج بغير إذن مولاه. كأنّه لم يصنع شيئا، فقام النصرانىّ إلى برذونه ليركبه، فاستعصى عليه، و لم يكن له أحد يأخذ بركابه، فجعل يضربه، و شريك يقول له: ويحك، ارفق به، فإنّه أطوع للّه منك. فقلت له: سيكون لهذا عاقبة مكروهة. فقال: أعزّ أمر اللّه يعزّك اللّه. و دخل النّصرانىّ على موسى بن عيسى، فقال: من فعل بك هذا؟ فقال: شريك.
فقال: لا و اللّه، مالى على شريك اعتراض، و لا أتعرّض له بشاء. و مضى النّصرانىّ من فوره ذلك إلى بغداد؛ و لم يعد.
قلت: هكذا كانت أحكام شريك و تصلّبه فى دين اللّه تعالى، و عدم مبالاته بأحد بعد ظهور الحق، و لو حصل له ما حصل، و مع ذلك فقد لامه أصحابه، و عتبوا عليه، و هجروه لكونه قبل القضاء، و دخل فيه، و رضى به آخرا بعد الإكراه، فكيف لو رأوا