كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)
89 كالبدر السّافر فى الظلام، أو الشمس إذا هى برزت من خلف الغمام.
كتب و قرا، و أضاف أهل العلم و قرى، و عمّر المدرسة المعروفة به بالقاهرة، و جعل نجوم محاسنها فى الإبداع زاهرة.
و كان يتأدّى القرآن العظيم على المشايخ، و يحبّ أن يكون فى التجويد ذا قدم راسخ، إلاّ أن أخلاقه كان فيها شراسة، و نفسه فيها على احتمال الأذى نفاسه، فأقدم على عزل القضاة، و اتّبع السلطان فى ذلك رضاه؛ لأنّه كان قد انفرد بالتّدبير، و ثقلت وطأته على الدّولة حتى خفّ عندها ثبير، و سالمته الأيّام، و تيقّظ سعده و الناس عنه نيام، فكان مع جماله و بطشه، /يغلو عند من يعتبره بأرشه:
كالبدر حسنا و قد يعاوده
عبوس ليث العرين فى عنده 1
كأنّما مبرم القضاء به
من رسله و الحمام من رصده
و لم يزل عالى الكعب، مالى القلوب بالرّعب، حتى أخذ أخذة رابية. و لم تكن أنياب النّوب عنه نائية، فأمسكه الناصر حسن فى العشرين من شهر رمضان سنة تسع و خمسين و سبعمائة، و كان ذلك آخر العهد به. رحمه اللّه تعالى.
و كان قد عمّر تلك المدرسة المشهورة به، و بالغ فى عمارتها و زخرفتها.
و كان يتعصّب لمذهبه، و يؤثر الفضلاء و يقرّبهم، و يسأل مسائل فى اللغة و الفقه، و يعظم العجم و يؤثرهم.
و كان قد انفرد بالحديث فى أمر الأوقاف، و اهتمّ بها، و عمّرت فى أيّامه.
قال الصّلاح الصّفدىّ: و وجدت بخطّه فى حائط المدرسة السّلطانية بحلب مكتوبا:
أبدا تستردّ ما تهب الدّن
يا فياليت جودها كان بخلا
و كتبه صرغتمش النّاصرىّ. فلما قرأت ذلك عجبت من هذا الاتّفاق، فكأنه كاشف نفسه بما وقع له، و استردّت ما وهبته الدنيا، و أخذ السّلطان من أمواله و حواصله شيئا يعجز الوصف عنه.
قال الصّفدىّ: و قد كتبت قصيدة أمدحه بها، و لكن ما جهّزتها إليه، و هى: