كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)
92
933 - صنع اللّه أفندى *
ابن قاضى القضاة جعفر أفندى، أحد قضاة العسكر المشهورين فى الدّيار الرّوميّة، بل فى جميع الديار الإسلامية، بالدين و الصلاح و التّقوى و المروءة و العلم و العمل و مكارم الأخلاق.
نشأ من صغره فى مهد الأمانة، و حجر الصّيانة، و ملازمة القراءة أوّلا فى القرآن الكريم، ثم فى الكتب المعتبرة و المتون المحرّرة، و الشّروح المشهورة بالتحقيق، و الحواشى المعروفة بالتّدقيق، و كان لا يملّ من المطالعة و المراجعة، و الاشتغال و الإشغال.
و كانت أيّامه كلها فى إقبال، و بلوغ آمال، تخدمه السّعود، /و تعينه الجدود، إلى أن بلغ مبالغ الرجال، وفاق الأقران و الأمثال، حتى كان الإمام العلاّمة، و القدوة الفهّامة، صاحب «التفسير» الذى سارت بذكره الرّكبان، و أذعن له كلّ قاص ودان، مفتى الديار الروميّة، و الممالك الإسلامية، أبو السّعود العمادىّ، رحمه اللّه تعالى، يراعيه و يكرمه، و يعتنى به و يقدّمه، و يرجّحه على سائر أقرانه، و أصحابه و إخوانه، و يرى مخايل النّجابة ظاهرة عليه، و عيون التّوفيق ناظرة إليه، و كان كثيرا ما يحكّمه فى التّرجيح بين الأفاضل، و المحقّقين الأماثل، و يرضى بحكمه، و يثنى على دقّة فهمه، و قد حقّق اللّه تعالى رجاءه فيه، و جعله قائما مقامه و ناصرا له على من يعاديه.
ثم بعد أن حصّل من الفضائل ما حصّل، و أنعم اللّه تعالى عليه بما أمّل، و صار مدرّسا فى مدارس متعدّدة، أجلّها قدرا، و أشهرها ذكرا، مدرسة الوالدة بمدينة اسكى دار، حميت عن البوار، و هى والدة السلطان مراد خان، تغمّدهما اللّه بالرّحمة و الرّضوان، حتى إنها كانت أجلّ من السّليميّة و السّليمانيّة و غيرهما من المدارس المنسوبة إلى آل عثمان، أدام اللّه تعالى دولتهم إلى آخر الزمان، و كان صاحب الترجمة أجلّ من وليها من المدرّسين، و كان يلقى بها الدّروس للخاصّة و العامّة، من غير مانع و لا مدافع، بخلاف أكثر المدرّسين بالديار الرومية، فإنّ من عادتهم أن لا يمكّنوا أحدا من حضور دروسهم، سوى تلاميذهم المخصوصين بهم، و لم يزل بهذه المدرسة يفيد الطّلاّب، و يباحث أولى الألباب، و لا يبخل على أحد بفوائده، و التقاط فرائده، و لا يتكبّر على أحد فى مباحثة
*) ترجمته فى: خلاصة الأثر 2/ 256 - 259. و كانت وفاته فى حدود سنة إحدى و عشرين و ألف.