كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

93 و لا فى مناظرة، و إذا ظهر له الحقّ سلّم له و انقاد إليه، من غير تعصّب و لا عناد، كما جرت به عادة السّلف، و عادة المنصفين من الخلف.
ثمّ بعد مدّة فوّضوا إليه قضاء بروسة، ثم قضاء أدرنة، ثم قضاء إصطنبول بولاية أناطولى، ثم قضاء العسكر بولاية روميلى، و لم يتخلّل هذه الولايات عزل و لا ما يوجب العزل؛ لأنّ سيرته كانت فى الجميع حميدة، و أفعاله سديدة، لا يعطى المناصب إلاّ لأهلها، و لا يضع الأمور إلاّ فى محلّها، يقرّب أصحاب الفضل و الكمال، و يبعد أصحاب الجهل و الضّلال، و يعظّم العلماء و يرفع مقامهم، و يقبل عليهم، و ينظر بعين العناية إليهم. و أمّا الرّشوة فما كانت فى أيّامه تذكر إلاّ لتنكر، و لا يسأل عنها إلاّ ليهان من يأخذ منها، و قد وقع الإجماع، فى سائر البقاع، على أنّ اللّه تعالى قد طهّر منها يده و لسانه، و أتباعه و أعوانه، و لا شكّ و لا ريب أنّ العفّة عن الرّشوة فى مثل هذه الأيام، نعمة كبرى، و سعادة عظمى، قلّ من يوفّق لها، و يوصف بها، و أنّ أخذها من كبائر الذنوب، و قبائح العيوب، التى توقع فى المهالك، و تخرب الممالك، فالحمد للّه الذى خصّه بأحسن الأوصاف، و أنعم عليه بجزيل الألطاف.
و لم يزل سالكا فى هذه الطريق، مصحوبا من اللّه تعالى بالتوفيق، إلى أن فرغت المدّة، و انقضت العدّة، و أصاب السلطان عين الكمال، و جاءه مستوفى الآجال، و انتقل بالوفاة إلى رحمة اللّه تعالى، و جلس على سرير الملك مكانه، و ولى خلافته و سلطانه، ولده الأكبر، و غصنه الأنضر، السلطان محمد خان، أدام اللّه تعالى دولته إلى آخر الزمان، /و نصره و أيّده على أهل الكفر و الطّغيان، فأشار عليه بعض ثقاته أن يعزل سائر القضاة و الأمراء، و أمراء، الأمراء، و الحكّام و العمّال، و غيرهم من سائر المناصب، فعمل برأيه، و ما أبقى منهم إلاّ القليل، و كان صاحب الترجمة ممّن شمله هذا العموم، و تأسّف الناس على أيّامه، و على ما فقدوه من عدله فى أحكامه، و صاروا يبتهلون إلى اللّه تعالى، و يسألونه أن يعيد عليهم ولايته.
و استمرّ مقيما فى منزله، مكبّا على المطالعة و المراجعة، و التّقرير و التّحرير، و التّسويد و التّبييض، و التأليف و التّصنيف، لا يخرج من المنزل إلاّ إلى جمعة أو جماعة، أو عيادة مريض، أو زيارة أخ فى اللّه تعالى، و كثيرا ما كانوا يسألونه فى قبول ما يختاره من المناصب الشريفة فلا يقبل، و يرمون عليه فلا يرضى، و يدفعهم بالتى هى أحسن، و كان مع ذلك لا ينسى نصيبه من الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر، بحسب الإمكان.

الصفحة 93