كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

94 و ملخّص ما أقوله فى حقّه: إنّى ما رأيت مثله فى الديار الرومية، و لا رأى هو مثل نفسه، فنسأل اللّه تعالى أن يمدّ فى أجله، و أن يعينه على فعل الخيرات، و إزالة المنكرات، بمنّه و كرمه.
و قد مدحته الشعراء، و كاتبته الفضلاء، و راسلوه و راسلهم، و لو لا أنّى سطّرت هذه الترجمة و أنا على جناح السّفر، و اشتغال الفكر، لجمعت كثيرا ممّا مدح به، و ألّف فى الثّناء عليه، و لكن على كلّ خير مانع.
و من جملة محبّيه و مادحيه، جامع هذه «الطبقات»، و من ذلك بعض أبيات قلتها فى أثناء رسالة أرسلتها إلى حضرته الشريفة، من ثغر إسكندريّة، و أنا متوجّه إلى مصر المحميّة، بعد أن سمعت الناس يقولون: إن بعض أرباب الدّولة شفعوا عنده فى إعادة قضاء الفيّوم لقاضيها السّابق، و أنه امتنع من ذلك أشدّ الامتناع، فقلت:

إلهى إنّ صنعك قد تلافى
أمورى كلّها قبل التّلاف

و قدّمنى و أخّر كلّ ضدّ
أراه الدّهر يسعى فى خلافى

إلهى كن لصنع اللّه عونا
و عامله بفضل منك وافى

و قدّمه على رغم الأعادى
و أخّرهم كتأخير الخوافى

و لا تجعل لدولته انقطاعا
إلى يوم القيامة و التّكافى

و قد استجاب اللّه تعالى دعانا، و له الحمد و المنّة.

*و إنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا* 1

ثم بعد مدّة طويلة سافرت إلى الديار الرّوميّة، و رأيته على جانب عظيم من الهيبة و الوقار، و الرّفعة و التواضع، و نفاذ الكلمة، أكثر من ذلك حين كان فى قضاء العسكر، و هذه عادة اللّه تعالى فى عباده، أنّ من أطاعه يطيع له العباد، و من عصاه يعصيه كلّ أحد حتى الأهل و الأولاد.
و رأيت بمدينة إصطنبول من التّغيّرات و التّبدّلات، و أكل الرّشا، و إعطاء المناصب لغير أهلها، و وضع الأمور فى غير محلّها، و قلّة الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر، و غير

1) هذا عجز بيت للنابغة الجعدى، و صدره: *بلغنا السماء مجدنا و جدودنا* ديوانه 51.

الصفحة 94