كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 4)

95 ذلك ممّا تبكى له العيون، و تحترق لأجله القلوب، و تحيّر فى تدبير رفعه العقول، و إذا انتدب لإزالته أحد من الناس الذين يخافون اللّه/تعالى، لا يجد له مساعدا، و لا معينا و لا معاضدا، بل ينتدب له كثير من أرباب الدولة الذين لا يريدون الإصلاح، و لا يريدون بطلان الرّشا و لا فيه النّجاح، لتكذيبه و تسفيهه، و تحميقه و الرّدّ عليه، و لم أر فى تلك الديار من هو سالم من سائر أنواع النّفاق، و من مداراة أصحاب الظلم و الشّقاق، إلاّ صاحب الترجمة، فللّه درّه، ما أشدّه و أصلبه فى دين اللّه تعالى، و ما أكثر تعظيمه لشريعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم. و لقد بالغوا فى عرض الولايات عليه، و وعدوه بأن لا يعارضوه فى أمر من الأمور، و أن يقبلوا نصائحه و شفاعاته، و هو مع ذلك مصمّم على الامتناع؛ لعلمه بأنّ أكثرهم ممّن يقول بلسانه ما ليس فى قلبه، فلما قدّر اللّه تعالى بوفاة شيخ الإسلام، و قدوة الأنام، سعد الدين أفندى، مفتى الديار الروميّة، فى عاشر شهر ربيع الأول، سنة ثمان بعد الألف، امتدّت أعناق جماعة من موالى الديار الروميّة لطلب منصب الفتوى مكانه، و بالغوا فى الطلب و السّعى، و بذل الدنيا لمن يعينهم، و يشفع لهم و يساعدهم، و صاروا يبالغوا فى وصف أنفسهم بالعلم و العمل، و الفضل و الكرم، و العدل و الإنصاف، و غير ذلك من المحاسن التى ليس فيهم منها قليل و لا كثير، و لا جليل و لا حقير:

و لسان حال الحقّ ينشد مالها
إلاّ إمام العصر صنع اللّه

من لم يخف فى اللّه لومة لائم
و صنيعه للّه لا للجاه

فقبل فراغهم من دفنه، بل و من الصلاة عليه؛ جاء خطّ السلطان إلى الوزير الكبير، بتفويض منصب الفتوى إليه، من غير تعب و لا نصب، و لا بذل فضة و لا ذهب، و لا عهد و لا وعد، بل سمعنا أنّه تردّد فى القبول و عدمه، و لو لا أنّه رأى القبول عليه متعيّنا، و أنّ ترك المتعيّن، ليس عند اللّه بهيّن، ما كان يقبله و لا يقبل عليه، فلما حصل القبول حصل عند الناس من الفرح و السّرور ما لا مزيد عليه، و استبشروا بإقبال الخيرات، و إدبار المنكرات، و قيام ناموس الشريعة، و خمود نار الرّشوة الفظيعة، و غير ذلك ممّا فيه صلاح الأئمّة، و كشف الغمّة عن الأمّة، و ما مضى بعد ولايته إلاّ زمن يسير، حتى عزل بعض قضاة الجور و الرّشا، و ولى مكانه بعض القضاة الذين يرجى خيرهم، و يؤمن ضررهم و ضيرهم، و عدّ ذلك من بركات صاحب الترجمة، و زاد سرورهم به و دعاؤهم له، و ثناؤهم عليه، و صار أكثر الخواصّ من الناس يرجون من

الصفحة 95