كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 4)

أمرَهُ اللهُ أن يُخَيِّرَ أزواجَهُ، فبدأَ بي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أَمْراً، فلا عَلَيْكِ أَنْ تَسْتعْجِلي حَتَّى تَسْتأمِرِي أبوَيْكِ"، وقد عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لم يكونا يأمُراني بِفراقِه، قالت: ثم قال: "إنَّ الله تَبارَكَ وتَعالى قال: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} [الأحزاب: 28] "، إلى تمام الآيتين، فقلتُ: ففي أيَ شيءٍ أَستأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فما في أريدُ الله ورسولَهُ والدارَ الآخر (¬1).
ولم يكنِ التخييرُ منه - صلى الله عليه وسلم - طلاقاً مُعَلَّقاً باختيارِهِنَّ (¬2).
وهذا الحكمُ في النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأَمّا غيرُه فإنْ خَيَّرَ أَحدٌ منَ الناسِ زوجتَه، فقد اختلفَ السَّلَفُ فيه اخْتِلافاً كَثيراً (¬3).
فذهبَ عمرُ، وابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وعائشةُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم-: إلى أنها إنِ اختارتْ نفسَها، فواحدةٌ، كان اختارتْ زوجَها، فلا شيءَ.
قالت عائشةُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها-: خَيَّرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فاخترناه، أفكانَ ذلكَ طلاقاً (¬4)، وبهذا قال الشافعيُّ.
وذهبَ زيدُ بنُ ثابت إلى أنها إنِ اختارَتْ نَفْسَها، فثلاث، وإنِ اختارتْ زوجَها، فواحدةٌ، وهو أَحَقُّ بها، وجَعَلَ الطَّلاقَ مُعَلَّقاً باختيارِها، فإنِ
¬__________
(¬1) رواه البخاري (4507)، كتاب: التفسير، باب: قوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ...} ومسلم (1475)، كتاب: الطلاق، باب: بيان أن تخيير امرأته لا تكون طلاقًا إلا بالنية.
(¬2) انظر: "الأم" للشافعي (5/ 140)، و"معرفة السنن والآثار" للبيهقي (5/ 212).
(¬3) انظر: هذا الاختلاف في "الأم" للشافعي (7/ 157)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 72)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (10/ 173)، و"المحلى" لابن حزم (10/ 118).
(¬4) رواه مسلم (1477)، كتاب: الطلاق، باب: بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية.

الصفحة 117