كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 4)

وقال جُمهورُهم: لما أمرَ اللهُ سبحانَهُ نبيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بتخييرِ نِسائه، وامتثلَ أَمْرَ رَبِّه، وخَيَّرَهُنَّ فاختَرْنه، جَعَلَ جَزاءَهُنَّ أنْ قَصَرَهُ عليهنَّ، وحرَّمَ عليهِ طلاقَهُنَّ بهذِهِ الآية، ومعنى (من بعد) أي: من بعدِ هؤلاءِ التسع (¬1).
ثم اختلف هؤلاءِ:
فقال قومٌ: الآيةُ باقية على أحكامها، غيرُ منسوخةٍ، ويروى هذا القولُ عنِ ابنِ عباسٍ، والحَسَنِ، وابْنِ سيرينَ، وقَتَادَةَ.
ثم قالَ قومٌ: بلْ هي ناسخة أيضاً لِما أباحَ اللهُ سبحانَهُ لنبيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ تزِوُّجِ مَنْ شاءَ منَ النساءِ؛ لقوله تعالى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} [الأحزاب: 51]، ولقوله تعالى: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} [الأحزاب: 50].
وحكي هذا القولُ عن محمدِ بنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ (¬2).
وقالَ قومٌ: الآيةُ منسوخةٌ غيرُ مُحْكَمَةٍ، نسخَ اللهُ سبحانَهُ التحريمَ عَنْ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -؛ لتكونَ لهُ المِنَّةُ عليهِنَّ، وهذا ما اختارَهُ الشافعيُّ (¬3).
والنسخُ: إمَّا بالسُّنَّةِ عندَ مَنْ أجازَ النسخَ بها، ففي "صحيح مسلم" عن زيدِ بنِ أرقمَ -رضي اللهُ تعالى عنه- قال: تزوَّجَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بعدَ نزولِ هذهِ الآيةِ مَيْمونَةَ، ومُلَيْكَةَ، وصَفِيَّةَ، وجُوَيْرِيَةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهن- (¬4).
¬__________
(¬1) انظر: "تفسير الطبري" (22/ 2928).
(¬2) انظر: القولين في "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (14/ 220219)، وللوقوف على أقوال العلماء في الآية انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس (1/ 627) وما بعدها.
(¬3) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (14/ 219)، و"أحكام القرآن" للجصاص (5/ 241)، واختيار الشافعية المشار إليه ذكره الرازي في "تفسيره" (25/ 192)، والنووي في "روضة الطالبين" (7/ 4).
(¬4) لم أره في "صحيح مسلم"، وإنما ذكره الإمام النووي في "شرح مسلم" (10/ 50)، والله أعلم.

الصفحة 127