وذهبَ قومٌ إلى أنها عامَّةٌ منسوخةٌ (¬1) بالأمرِ بالقتلِ في (براءة) (¬2)، وأنه لا يجوزُ أن يُمَنَّ على مُشْرِكٍ، ولا يُفادى إلا مَنْ لا يجوزُ قتلُهُ؛ كالصبيِّ والمرأةِ، ويُروى عنِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- (¬3).
قَالَ الشافعيُّ: لمَ يَبْلُغْني عن ابنِ عباسِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - بإسنادٍ صحيحٍ، وإنَّما هو عندي من تفسيرِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ بروايةِ أولادِهِ عنهُ، وهو إسناد ضعيفٌ، والظاهرُ -واللهُ أعلم- أنَّها واردةٌ لبيانِ وقتِ الأَسْرِ، لا لحصر ما يفعلُ بالأسيرِ.
قَالَ ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: خُيِّرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الأَسْرى بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ، والقَتْلِ والاستِعْباد (¬4)، يفعلُ ما يشاءُ، وعلى هذا أكثرُ أهلِ العلمِ، فقدْ قَتَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الأَسْرى صَبْرًا في غيرِ مَوْطِنٍ.
فإنْ قيلَ: إنَّ هذهِ الآيةَ نَسَخَتْ فِعْلَهُ.
قلنا: لو كانَ كذلكَ، لَبَيَّنَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لِما فُرِضَ عليهِ منْ بيانِ كِتابِهِ، وقد استعبدَ النِّساءَ، وأجمعتِ الصَّحابَةُ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- على استِعْباد أهلِ الكتابِ؛ ذكورِهم وإناثِهم، ولو كانتْ لِحَصْرِ ما يُفْعَلُ بالأَسير، لما جازَ الاسْتِرقاق، ولما أَجْمَعَتْ عليهِ الصحابةُ.
فإن قلتَ: فما الحكمُ في استرقاقِ العَرَبِ؟
قلنا: قال بعضُ العلماءِ: إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يستعبدْ ذُكورَ العربِ، وكذا
¬__________
(¬1) انظر: "الناسخ والمنسوخ" (ص: 47)، و"المصفى بأكف أهل الرسوخ" (ص: 53)، و"قلائد المرجان" (ص: 156).
(¬2) وهي قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ... ... ...} الآية. [براءة: 5]، وقد تقدمت.
(¬3) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (16/ 227).
(¬4) انظر: "نيل الأوطار" للشوكاني (8/ 153).