كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 4)
وقد أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّها على التَّرتيبِ كما بيَنَها اللهُ تَعالى (¬1).
وأطلقَ اللهُ سبحانَهُ الرَّقَبةَ، ولم يُقيِّدْها بالإِيمان كما قَيدَها في كَفّارَةِ القَتْلِ: فأخذ أبو حنيفةَ -رحمهُ اللهُ تَعالى- بالإطلاقِ، فأجازَ عتقَ الرقبةِ الكافرةِ ما لم تكنْ وثنيةً ولا مرتدة (¬2).
والشافعي -رحمهُ اللهُ تَعالى- حملَ هذا الإطلاقَ على التقييدِ في القَتْل؛ كما هو مذهبُه، في حَمل المطلقِ على المقيدِ عندَ اختلافِ السبَبِ (¬3).
ووافقَهُ مالكٌ على اشتراطِ الإيمانِ (¬4).
فإن قلتَ: فهل تجدُ في السُّنَّةِ دليلاً على اشتراطِ الإيمانِ؟
قلت: نعم، رُوي عن معاويةَ بنِ الحَكَم قال: أتيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقلتُ: يا رسولَ الله! إنَّ جاريةً لي كانَتْ ترعى غَنَماً، فَجِئْتُها وفقدتُ شاةً من الغنمِ، فسألتُها عَنْها، فقالَتْ: أكلَها الذئبُ، فأسِفْتُ عليها، وكنتُ من بني آدمَ، فلطَمْتُ وَجْهَها، وعليَّ رقبة (¬5)، أَفَأُعْتِقُها؟ فقالَ لَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أينَ الله؟ "، قالت: في السَّماءِ، فقال: "مَنْ أَنا؟ " فقالت: أنتَ رسولُ اللهِ (¬6)، قالَ: "فَأَعْتِقْها؛
¬__________
(¬1) انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (10/ 512)، و"المبسوط" للسرخسي (6/ 225)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (2/ 83).
(¬2) انظر: "الهداية" للمرغيناني (2/ 19).
(¬3) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (5/ 280)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 322).
(¬4) انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (2/ 84).
(¬5) في "أ": "رقبتها".
(¬6) في "ب" زيادة: "فصلَّى الله عليك".
الصفحة 203