كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 4)

وبهذا قالَ مالِكٌ في روايةٍ، والروايةُ المشهورةُ عنه أنهُ مُدٌّ بِمُدِّ هِشامٍ (¬1) (¬2)، ومُذُ هِشامٍ بِمُدٍّ ونصْفِ مُدٍّ بِمُدِّ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: مُدَّانِ، وقيل: مُدٌّ وثُلُثٌ؛ لأن به تحصل الكفاية في الغداءِ والعشاءِ (¬3).
وأنكرَ الشافعيُّ هذا على مالكٍ، وقالَ: مَنْ شَرَعَ لكمْ مُدَّ هِشامٍ؟ وقد أنزلَ اللهُ تبَاركَ وتعالى الكفاراتِ على رسولهِ قبلَ أن يولَدُ هشام، وكيفَ ترى المسلمين كَفروا في زَمَنِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وبعدَه قبل أن يكونَ هشامٌ (¬4)؟
وقال أبو حنيفةَ: طعامُه مُدَّانِ؛ اعتبارًا بِفِدْيَةِ الأَذى، واستدلُوا بحديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - (¬5).
ولو اعتبروا هذهِ الكفارةَ بكفارةِ الفِطْر في رَمَضانَ، لكانَ أَحْرَى وأوْلى، فاعتبارُ الكَفَّارَةِ بِالكَفَّارَةِ أَشْبَهُ وأوْلى به، وأَمّا فِدْيَة الحَجِّ، فلا تشبهُ ما سِواها من الكفاراتِ في شيءٍ، واللهُ أعلم.
* * *
¬__________
(¬1) انظر: "الموطأ" للإمام مالك (1/ 284)، و"المدونة الكبرى" (6/ 72).
(¬2) هو هشام بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة المخزومي عامل كان بالمدينة لبني مروان. انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (3/ 271).
(¬3) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (4/ 196)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (2/ 85).
(¬4) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (7/ 257).
(¬5) مذهب الحنفية أن مقدار الطعام هو نصف صاع بر أو صاع تمر أو شعير. انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (5/ 313)، و"المبسوط" للسرخسي (7/ 16)، و "الهداية" للمرغيناني (2/ 21).

الصفحة 208