كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 4)

وقيل: كانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُؤْذى بكثرةِ النَّجْوى؛ وكانَ الشيطانُ يوسوسُ في أصحابِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويقولُ: يوحى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمر كذا مما يَغُمُ المسلمين ذلك، وهو قوله: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة: 10] فأمر اللهُ سبحانَه أَلَّا يناجيَ أحدٌ النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يُقَدّمَ صَدَقَةً، فتوقَّفَ الناسُ عن النَّجْوى، ثم شَقَّ ذلك عليهم، فنسخَهُ اللهُ سبحانَهُ وتَعالى بقوله: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} [المجادلة: 13] الآية (¬1).
قيل: وهذا مما نُسِخَ قبل العملِ به (¬2).
وقيل: إن عَلِيًّا -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - عملَ به.
وروى ليثٌ عن مجاهدٍ قال: قالَ عَلِيُّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: إنَّ في كتابِ اللهِ لآيةً ما عملَ بها أحدٌ قَبْلي، ولا يعملُ بها أحدٌ بعدي، كان لي دينارٌ، فصرفته، فكنتُ إذا ناجيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تصدَّقْتُ بدرهمٍ حَتَّى نَفِدَ، ثم نُسِخَتْ (¬3).
* * *
¬__________
(¬1) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (5/ 315).
(¬2) انظر: "الناسخ والمنسوخ" للقاسم بن سلام (ص: 410)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (8/ 235).
(¬3) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (32125). وانظر: "تخريج الأحاديث والآثار" للزيلعي (3/ 430)، و"تفسير ابن كثير" (4/ 327).

الصفحة 210